“ثلاث علامات من اجتمعن له كان من عظماء الرجال، وكان له حق في الخلود: فرط الإعجاب من محبيه ومريديه، وفرط الحقد من حاسديه والمنكرين عليه، وجو من الأسرار والألغاز يحيط به”.
تابعونا على التليكرام
بهذه الثلاثية التي صاغها عباس العقاد في كتابه “رجعة أبي العلاء المعري” يمكن قراءة سيرة الحسين بن منصور الحلاج، المتوفى سنة 309هـ/921م، بوصفه واحدًا من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التراث الإسلامي.
فقد اجتمع في الحلاج الإعجاب الشديد من أنصاره، والرفض الحاد من خصومه، والغموض الذي أحاط بأقواله وتحركاته ومصيره، حتى صار اسمه طِلسمًا تاريخيًا يتنازعه الفقهاء والصوفية والمؤرخون والباحثون.
شخصية بين التكفير والتقديس
غلا المنكرون على الحلاج حتى كفّره فريق من العلماء، ورأوا أنه قُتل “بسيف الشرع على الزندقة”، فيما ذهب آخرون إلى تزكيته والدفاع عنه، وعدّه بعضهم من كبار أهل التصوف.
وقد ألّف الإمام الذهبي في نقده، كما صنّف ابن الجوزي كتابًا في الرد عليه، بينما جاء المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون في العصر الحديث ليقدمه بصورة شبه مسيحية، بوصفه شهيدًا روحيًا وفنانًا للمعاناة.
وبين هذين الطرفين، بقي الحلاج شخصية ملتبسة، لا يسهل اختزالها في حكم واحد.
مصادر تصوف سنية
يرى أنصار الحلاج أن الحكم عليه بالزندقة أو الحلول أو الانتماء إلى القرامطة يحتاج إلى مراجعة دقيقة، خصوصًا أن مصادر تصوفه الأولى كانت سنية المشرب.
فقد تتلمذ على سهل بن عبد الله التستري، وعمرو بن عثمان المكي، وأبي القاسم الجنيد البغدادي، وأبي الحسن النوري، وهم من أعلام التصوف الذين حظوا بتزكية كبيرة في كتب التراجم.
كما دافع عنه عدد من كبار الصوفية والفقهاء، بينهم ابن خفيف الشيرازي، وأبو العباس ابن عطاء، وأبو القاسم النصراباذي، بل إن بعض الحنابلة مثل أبي الوفاء ابن عقيل صنّفوا في مدحه وتأويل أقواله.
لماذا اضطربت صورته؟
يرجع اضطراب صورة الحلاج إلى غموضين رئيسيين: غموض صوفي وغموض سياسي.
أما الغموض الصوفي، فيتصل بلغة الأحوال والمواجيد التي يصعب التعبير عنها بعبارات مألوفة. فكثير من عبارات المتصوفة، حين تنقل خارج سياقها، تبدو صادمة أو موهمة للحلول والاتحاد، مع أن بعض العلماء حملها على الشطح أو غلبة الحال.
أما الغموض السياسي، فيتعلق بتحركات الحلاج الواسعة بين البلدان، وتبدل أسمائه وألقابه، وكثرة مراسلاته، وعلاقاته المحتملة بحركات سرية في زمن كانت الدولة العباسية تواجه فيه اضطرابات سياسية ومذهبية واسعة.
الحلاج والثورة على العباسيين
تقدم بعض الروايات التاريخية الحلاج بوصفه صاحب مشروع سياسي، لا مجرد صوفي شاطح. فقد طاف في خراسان وما وراء النهر وفارس والهند ومكة، وجمع حوله أتباعًا، وكان يخاطب كل بيئة بلغتها الفكرية والدينية.
وتشير روايات عدة إلى أن نشاطه لم يكن روحيًا فقط، بل اتخذ طابعًا تنظيميًا سريًا، مع احتمال وجود صلات أو تنسيق مع حركات معارضة للدولة العباسية، مثل القرامطة وبعض التيارات العلوية.
ومن هنا يمكن فهم محاكمته وإعدامه لا بوصفهما نتيجة أقوال دينية ملتبسة فحسب، بل أيضًا ضمن سياق صراع السلطة مع الحركات السرية والثورية.
الطلاسم بوصفها شفرات
من أكثر المناطق غموضًا في سيرة الحلاج طبيعة خطاباته ورموزه وطلاسمه. وقد تُقرأ هذه النصوص عادة بوصفها عبارات باطنية أو شطحات صوفية.
لكن قراءة أخرى ترى أنها ربما كانت شفرات تنظيمية في مراسلات سرية مع أتباعه، تحمل معاني عملية تتعلق بالتعبئة والتحرك السياسي، لا بمجرد المعنى الديني أو الباطني.
وهذا التفسير لا يلغي الجانب الصوفي في شخصية الحلاج، لكنه يفتح بابًا لفهم ملاحقته وقتله من زاوية سياسية أوسع.
محاكمة انتهت بالإعدام
بلغ الصدام ذروته في عهد الخليفة العباسي المقتدر بالله، حين تحرك الوزير حامد بن العباس ضد الحلاج وأتباعه، وجرى تفتيش الدور واستخراج الرسائل والبحث عن أدلة تدينه.
وانتهت المحاكمة إلى الحكم عليه بالقتل، بعد اتهامات دينية وسياسية متداخلة. فأُعدم بطريقة قاسية؛ جُلد، ثم قُطعت أطرافه، وضُربت عنقه، وأُحرقت جثته، وألقي رمادها في دجلة، ونُصب رأسه في بغداد.
كان ذلك في أواخر ذي القعدة سنة 309هـ/921م، لتبدأ بعد موته حياة أخرى في الذاكرة والجدل والأسطورة.
هل كان الحلاج شهيد التصوف أم ضحية السياسة؟
تظل سيرة الحلاج عصية على الحسم. فهو عند خصومه زنديق خطير، وعند محبيه وليّ مظلوم، وعند قراء آخرين صوفي ثائر اصطدم بالسلطة العباسية.
لكن المؤكد أن قتله لم ينهِ قصته، بل صنع خلوده. فقد بقي اسمه حاضرًا في كتب التاريخ والتصوف والأدب والفلسفة، وتحول إلى رمز للغموض الروحي والصدام مع السلطة.
وبهذا المعنى، تحققت فيه ثلاثية العقاد: محبة مفرطة، وخصومة جارحة، وسرّ لا يزال يحيط به بعد أكثر من ألف عام.

