Site icon قناة الفلوجة | Alfallujah Tv

8 حملات وقرنان من الحروب.. ماذا تعرف عن الحروب الصليبية؟

الحروب الصليبية سلسلة من الحملات العسكرية الأوروبية ذات الطابع الديني، امتدت لنحو قرنين من الزمن، بين عامي 1096 و1291م، وشملت ثماني حملات رئيسية تفاوتت في حجمها وقوتها ونتائجها، وكان المشرق الإسلامي وجهتها الأساسية.

انطلقت هذه الحملات بدعوة من الكنيسة الكاثوليكية وتحت شعار الصليب، بهدف معلن تمثل في استعادة القدس والسيطرة على الأراضي المقدسة، إلى جانب دوافع سياسية واقتصادية واجتماعية أخرى، ارتبطت بتوسيع النفوذ الأوروبي، والحد من التمدد الإسلامي نحو أوروبا، وتحقيق مصالح قوى وطبقات مختلفة تحت غطاء ديني.


تابعونا على التليكرام


دوافع الحروب الصليبية وأسبابها

تكشف الوقائع التاريخية للحملات الصليبية عن مجموعة من الدوافع التي تداخلت مع الدافع الديني المعلن، وشملت عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية، فضلا عن مصالح شخصية لفئات وأطراف مختلفة.

الدافع الديني

تمثل الدافع الديني المعلن في استعادة القدس من المسلمين وتهيئة ظروف آمنة للحجاج المسيحيين في الأراضي المقدسة.

وقد أعلن البابا أوربان الثاني هذا الهدف عندما ألقى في مدينة كليرمون عام 1095م خطابا حماسيا مطولا أمام حشد من رجال الدين والفرسان والنبلاء وعامة الناس، دعا فيه إلى ما سماه “الحرب المقدسة”، وحث على التوجه إلى المشرق الإسلامي للسيطرة على القدس، مستندا إلى ما قال إنه اضطهاد يتعرض له الحجاج المسيحيون في بيت المقدس.

وتضمنت دعوة البابا وعودا بالغفران لمن يشارك في الحرب، كما وزعت صلبان قماشية على المشاركين ليخيطوها على ثيابهم.

وكانت الدعوة، في الوقت نفسه، وسيلة لتعزيز نفوذ الكرسي الرسولي في روما، وبسط سلطته على الكنيسة الشرقية، وزيادة هيمنته في العالم المسيحي.

الدوافع السياسية

ارتبطت الحملات الصليبية أيضا بالسعي إلى توسيع النفوذ السياسي الأوروبي وإقامة إمارات في بلاد المشرق، وهو ما شكل أحد الدوافع التي أسهمت في دفع الكنيسة إلى تنظيم تلك الحملات.

وكان لدى البابا أوربان الثاني طموحات سياسية توسعية، في وقت تمتعت فيه الكنيسة بنفوذ واسع على ملوك وأمراء أوروبا.

كما وجدت فكرة التوسع قبولا لدى العديد من الأمراء والفرسان، الذين رأوا في الحملات فرصة لتأسيس إمارات والحصول على أراض جديدة ومكاسب مادية وألقاب رفيعة، في ظل الصراعات الإقطاعية التي كانت تشهدها أوروبا.

الدوافع الاقتصادية

مثلت ثروات بلاد المشرق عاملا مهما في تشجيع الأوروبيين على المشاركة في الحملات، ولا سيما في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي شهدتها أجزاء من أوروبا، من فقر وبطالة وجوع.

وكانت تصل إلى الأوروبيين أخبار عن رخاء بلاد المسلمين ووفرة خيراتها، حتى كانت توصف بأنها “أرض تفيض باللبن والعسل”، ما عزز تطلعات المشاركين إلى الاستفادة من مواردها وثرواتها.

كما دعم تجار مدن جنوب أوروبا، مثل البندقية وبيزا وجنوة ومرسيليا، الحملات الصليبية من خلال نقل المقاتلين والإمدادات بأساطيلهم، سعيا إلى تحقيق أرباح كبيرة والسيطرة على المراكز التجارية المهمة في المشرق والاستفادة من الامتيازات التي يمكن الحصول عليها.

الدافع الاجتماعي

أسهمت الأوضاع الاجتماعية في أوروبا في دفع فئات واسعة إلى المشاركة في الحملات، إذ كان الفلاحون والعبيد يعانون من الطبقية وتبعات النظام الإقطاعي، ويعيشون في ظروف تتسم بالفقر والحرمان والافتقار إلى الحقوق الأساسية.

ورأت بعض تلك الفئات في الحملات فرصة للهروب من واقعها ومحاولة تأسيس حياة جديدة في مناطق أخرى.

معركة ملاذكرد والسبب المباشر

برز الانتصار الحاسم الذي حققه السلاجقة بقيادة السلطان ألب أرسلان على الدولة البيزنطية في معركة ملاذكرد عام 1071م بوصفه أحد الأسباب المباشرة التي مهدت للحملات الصليبية، بعدما أدى إلى استيلاء السلاجقة على مناطق عديدة كانت خاضعة للبيزنطيين.

وأثار التوسع السلجوقي مخاوف الإمبراطور البيزنطي أليكسيوس الأول، الذي طلب مساعدة البابا لمواجهة السلاجقة.

واستجاب البابا أوربان الثاني لهذا الطلب، ودعا إلى حرب دينية ضد المسلمين، وسط مخاوف أوروبية من أن يؤدي ضعف الدولة البيزنطية إلى فتح الطريق أمام سلاجقة الروم للتوسع باتجاه أوروبا.

الحملة الصليبية الأولى (1096-1099م)

بدأ البابا أوربان الثاني ورجال الكنيسة حملة تعبئة مكثفة استمرت نحو ثمانية أشهر لحشد المقاتلين، وأسفرت عن انطلاق مجموعتين رئيسيتين عرفتا بحملة العوام وحملة الأمراء.

حملة العوام

ضمت حملة العوام أعدادا كبيرة من الفلاحين والفقراء وقطاع الطرق، وقادها بطرس الناسك، الذي توجه بهم إلى القسطنطينية عام 1096م.

والتقت هذه الجموع بمجموعة أخرى من الصليبيين بقيادة والتر الملقب بالمفلس، ووقعت خلال مسيرهم أعمال نهب وسلب، ما دفع الإمبراطور البيزنطي إلى إرسالهم نحو آسيا الصغرى.

وهناك واجهتهم القوات السلجوقية وألحقت بهم هزيمة كبيرة، ولم ينج منهم سوى عدد قليل.

حملة الأمراء

تكونت حملة الأمراء من أربع قوات رئيسية، شملت فرسان شمال فرنسا واللورين، وغرب فرنسا ونورمانديا، وجنوب فرنسا والبروفنسال، إضافة إلى فرسان النورمان.

وانضم إليهم خلال المسير مقاتلون من ألمانيا والنمسا والمجر وغيرها، وقدرت أعداد الجيوش بما بين 60 و100 ألف مقاتل.

وتوجهت القوات إلى القسطنطينية، ومنها إلى آسيا الصغرى، حيث حاصرت نيقية، عاصمة السلاجقة، وتمكنت من الاستيلاء عليها عام 1097م.

واصل الصليبيون تقدمهم باتجاه الشام وسيطروا على مساحات واسعة منها ومعظم مدن الساحل، قبل أن يحتلوا القدس عام 1099م.

وشهدت الحملة أعمال قتل واسعة طالت المسلمين واليهود، كما لم يسلم منها المسيحيون المحليون، إذ استولى الصليبيون على أديرة وطردوا مسيحيين من كنائسهم.

وبعد تحقيق هدف الحملة، عاد معظم المشاركين إلى أوروبا، بينما أسس من بقي منهم أربع إمارات هي: إمارة الرها، وإمارة أنطاكية، وإمارة بيت المقدس، وإمارة طرابلس، كما شيدوا قلاعا حصينة وعززوا وجودهم في المنطقة.

الحملة الصليبية الثانية (1147-1149م)

بعد نحو ثلاثة عقود من الوجود الصليبي في المشرق الإسلامي، برز عماد الدين زنكي، حاكم إمارة الموصل، بوصفه أحد أقوى الحكام المسلمين في المنطقة.

وتمكن من توسيع إمارته وضم حماة وحمص، ثم استعاد إمارة الرها عام 1144م.

ودفع سقوط الرها البابا إلى الدعوة لحملة صليبية جديدة لمواجهة القوة الإسلامية الصاعدة.

وانطلقت الحملة الثانية عام 1147م، وتألفت من جيشين كبيرين، ضم كل منهما نحو 70 ألف جندي، أحدهما بقيادة إمبراطور ألمانيا كونراد الثالث، والآخر بقيادة ملك فرنسا لويس السابع.

واتجه الجيشان إلى الشام وهاجما دمشق وحاصراها، إلا أن نور الدين زنكي، الذي تولى الحكم بعد وفاة والده عماد الدين، أرسل قواته إلى دمشق.

وانتهت الحملة بالفشل وانسحاب الصليبيين إلى أوروبا، بينما بقيت الرها تحت الحكم الإسلامي. وبعد سنوات قليلة ضم نور الدين دمشق واتخذها قاعدة لحكمه.

صلاح الدين ومعركة حطين

كان صلاح الدين الأيوبي قد أنهى الحكم الفاطمي في مصر واستقل بالحكم فيها، ثم تمكن بعد وفاة نور الدين زنكي من توحيد إمارات الشام ومصر وتأسيس الدولة الأيوبية، قبل أن يتصدى للوجود الصليبي.

ودارت بين صلاح الدين والصليبيين معارك عدة، كان أبرزها معركة حطين عام 1187م، التي انتهت بهزيمة الصليبيين ومهدت الطريق أمام استعادة عدد كبير من المدن.

وتقدم صلاح الدين بعد المعركة ليستعيد طبرية وعكا والناصرة وقيسارية وحيفا وصفورية ونابلس وجبيل وعسقلان والرملة وغزة وبيت لحم والخليل، قبل أن تنتهي مسيرة انتصاراته باستعادة بيت المقدس.

الحملة الصليبية الثالثة (1189-1192م)

أحدثت استعادة المسلمين للقدس صدمة كبيرة في أوروبا، فدعا البابا غريغوري الثامن إلى حملة جديدة، قبل أن يتوفى ويواصل خليفته البابا كليمنت الثالث المهمة.

وشاركت في الحملة قوات أوروبية بقيادة الإمبراطور فريدريك بارباروس، والملك الفرنسي فيليب الثاني، والملك ريتشارد الأول المعروف بـ”قلب الأسد”.

لكن بارباروس غرق في أحد أنهار آسيا الصغرى قبل وصوله إلى الشام، ولم يكمل الطريق من جيشه سوى نحو ألف جندي.

وتوجه الصليبيون إلى عكا وحاصروها حتى تمكنوا من السيطرة عليها عام 1191م.

وعاد الملك فيليب إلى بلاده متعللا بالمرض، ليبقى ريتشارد قلب الأسد في الميدان، حيث سيطر على عدد من مدن الساحل، إلا أن الحملة فشلت في تحقيق هدفها الرئيسي المتمثل في السيطرة على القدس.

وانتهت المواجهات بعقد “صلح الرملة” بين صلاح الدين والصليبيين عام 1192م، وتضمن هدنة واحتفاظ الصليبيين بمدن الساحل من صور إلى يافا، والسماح للحجاج المسيحيين بالوصول إلى بيت المقدس من دون ضرائب، وبقاء قس من الصليبيين في القدس، فضلا عن حرية تنقل كل طرف في المناطق التي يسيطر عليها الطرف الآخر.

الحملة الصليبية الرابعة (1202-1204م)

بعد فشل الحملة الثالثة، رأى الصليبيون أن السيطرة على مصر يمكن أن تمهد للوصول إلى القدس، فضلا عن أهمية الموانئ المصرية للنشاط التجاري.

ودعا البابا إنوسنت الثالث إلى حملة جديدة، وتجمعت القوات الصليبية في البندقية عام 1201م استعدادا لنقلها بحرا إلى مصر.

إلا أن الحملة غيرت وجهتها نحو القسطنطينية لمساندة الإمبراطور البيزنطي أليكسيوس في استعادة عرشه.

وتمكن الصليبيون من دخول القسطنطينية، لكن خلافا نشب بشأن التعويضات التي وعدوا بها، لينتهي الأمر باحتلال المدينة عام 1204م ووقوع أعمال نهب ودمار فيها، قبل تعيين حاكم جديد عليها.

الحملة الصليبية الخامسة (1218-1221م)

جدد البابا إنوسنت الثالث الدعوة إلى حملة صليبية جديدة، وبدأت القوات الأوروبية تصل تباعا إلى عكا.

ومن هناك توجه الصليبيون إلى دمياط المصرية على ساحل البحر المتوسط، وحاصروها حتى تمكنوا من السيطرة عليها عام 1219م والاستقرار فيها.

الحملة الصليبية السادسة (1228-1229م)

بعد فشل الحملة السابقة، انطلقت حملة جديدة بقيادة الإمبراطور الألماني فردريك الثاني، الذي كان قد تعرض لعقوبة الحرمان الكنسي بسبب تأخره في المشاركة.

وغادر فردريك عام 1228م على رأس جيش قوامه نحو 600 فارس.

وتمكن من تحقيق مكاسب لم تحققها الحملات التي أعقبت الحملة الصليبية الأولى، إذ عقد عام 1229م اتفاقا مع الملك الكامل نص على منح الصليبيين بيت لحم والقدس وشريطا من الأرض يصل القدس بعكا.

وفي المقابل، بقي المسجد الأقصى وقبة الصخرة والمناطق الريفية تحت سيطرة المسلمين، وتعهد فردريك بمنع شن حملة صليبية جديدة على المنطقة مدة عشر سنوات.

الحملة الصليبية السابعة (1248-1254م)

بعد وفاة الملك الكامل، تولى ابنه الملك الصالح نجم الدين الحكم، في وقت كانت فيه الهدنة التي عقدها والده مع فردريك قد انتهت.

وكان البابا غريغوري التاسع قد بدأ التحريض على حرب جديدة مع الشرق.

وحشد ملك نافار تيبالد الشامباني مجموعة من النبلاء وتوجه بهم إلى عكا، وتمكن من تكوين جيش قوامه نحو ألف جندي.

والتحمت قواته مع الجيش المصري في قرية بين عسقلان وغزة عام 1239م، وحقق المسلمون انتصارا في المعركة، قبل أن يتمكن الملك الصالح من استعادة القدس عام 1244م.

وأثار سقوط القدس مجددا ردود فعل واسعة في أوروبا، لتتجدد الدعوات إلى “الحرب المقدسة”.

واستجاب ملك فرنسا لويس التاسع، فتوجه بجيشه إلى دمياط وسيطر عليها عام 1249م.

وعسكر الملك الصالح نجم الدين أيوب بقواته في المنصورة، لكنه توفي خلال الحرب، وتولى ابنه توران شاه الحكم بينما كانت المعارك مستمرة.

وبعد انتشار خبر وفاة الملك الصالح، تقدم الصليبيون على أمل تحقيق النصر، لكن معركة حاسمة اندلعت في فارسكور عام 1250م، وانتهت بانتصار المسلمين بقيادة توران شاه.

وأسر المسلمون لويس التاسع وعددا كبيرا من جنوده، واضطر الملك الفرنسي إلى دفع فدية كبيرة مقابل إطلاق سراحه، والدخول في هدنة مدتها عشر سنوات، قبل أن يعود إلى أوروبا.

الحملة الصليبية الثامنة عام 1270م

سعى لويس التاسع إلى استعادة مكانته وتعويض هزيمته السابقة في مصر، فجهز حملة جديدة توجهت إلى تونس عام 1270م.

واتخذ المستنصر بالله الحفصي موقفا دفاعيا، وعزز سواحل قرية رادس بالجنود.

ولم تشهد الحملة معارك كبيرة، إذ أصيب لويس التاسع بالحمى وتوفي، فعقد الطرفان صلحا، وغادرت الحملة إلى فرنسا.

وكانت تلك آخر الحملات الصليبية الرئيسية.

المماليك وتصفية الوجود الصليبي

كان توران شاه آخر ملوك الأيوبيين، وأعقبت حكمه دولة المماليك، التي تولت مهمة مواجهة ما تبقى من الوجود الصليبي في بلاد الشام.

وعندما تولى الظاهر بيبرس الحكم عام 1260م، أنشأ قوة بحرية في دمياط والإسكندرية، ثم بدأ مهاجمة الإمارات والحصون الصليبية في الشام.

وتمكن من السيطرة على قيصرية وأرسوف وصفد ويافا، ثم استولى على أنطاكية ومعظم المدن التابعة لها، كما هاجم إمارة طرابلس واستعاد عددا من الحصون.

وواصل المنصور قلاوون، بعد توليه السلطة عام 1279م، الضغط على الصليبيين، فاستعاد اللاذقية وإمارة طرابلس.

ثم تولى ابنه الأشرف خليل الحكم، وشهد عهده نهاية الوجود الصليبي في بلاد الشام، إذ توجه إلى عكا وسيطر عليها عام 1291م.

وعقب سقوط عكا، انهارت بقية المعاقل الصليبية، وتتابع سقوط صور وصيدا وطرطوس وبيروت.

نتائج الحروب الصليبية

النتائج العسكرية

انتهى الوجود الصليبي في المشرق بفشل الحملات في الاحتفاظ بالمناطق التي سيطرت عليها، وتمكن المسلمون في نهاية المطاف من استعادة القدس والمدن والمناطق التي وقعت تحت سيطرة الصليبيين.

النتائج الحضارية

تأثر الأوروبيون الذين وصلوا إلى بلاد المسلمين بجوانب مختلفة من الحياة والحضارة فيها، ونقلوا إلى بلادهم معارف ومظاهر حضارية في مجالات عدة، من بينها العلوم والزراعة والأدب والفلسفة والفنون والعمارة والجوانب العسكرية.

وكان لهذا التفاعل أثر في التطورات الحضارية التي شهدتها أوروبا لاحقا.

النتائج السياسية والاجتماعية

أسهمت الحروب الصليبية في إضعاف نظام الإقطاع في أوروبا، بعدما باع عدد من الإقطاعيين أراضيهم لتمويل مشاركتهم في الحملات، في حين شاركت أعداد كبيرة من الفلاحين والعبيد، الذين كانوا يشكلون ركنا أساسيا في النظام الإقطاعي.

وأدى ذلك إلى تراجع نفوذ الإقطاعيين، مقابل تعزيز نفوذ العائلات الملكية وتقوية السلطة المركزية للملوك.

Exit mobile version