قد لا يكون الهاتف الذكي مجرد وسيلة للتواصل والعمل والترفيه، إذ يمكن أن يتحول الاستخدام المستمر له إلى مصدر للضغط النفسي، خصوصًا مع تدفق الإشعارات والأخبار ورسائل العمل ومحتوى منصات التواصل الاجتماعي على مدار اليوم.
تابعونا على التليكرام
ويُعرف الضغط المرتبط باستخدام التكنولوجيا بـ«التوتر الرقمي»، وهو استجابة نفسية وفسيولوجية قد ترافق الاستخدام المكثف للتكنولوجيا، وترتبط بارتفاع مستويات الكورتيزول وزيادة معدل ضربات القلب والحمل المعرفي.
وبحسب تقرير لموقع «NetPsychology» المتخصص في علم النفس والتكنولوجيا، يختلف التوتر الرقمي عن بعض مصادر الضغط التقليدية بسبب إمكانية استمراره طوال اليوم، مدفوعًا بانتظار الإشعارات وتدفق المعلومات والمقارنة الاجتماعية وثقافة البقاء متصلًا بالعمل باستمرار.
وأظهرت مراجعة منهجية شملت 23 دراسة محكّمة وجود ارتباط بين استخدام الهواتف الذكية وأعراض القلق والاكتئاب وزيادة الشعور بالتوتر، إذ كان الأشخاص الأكثر استخدامًا للهواتف أكثر عرضة للإبلاغ عن هذه الأعراض.
لكن تأثير زيادة استخدام الهاتف تراوح بين الضعيف والمتوسط، كما أن الدراسات كانت ارتباطية، وهو ما لا يسمح بالجزم بأن استخدام الهاتف هو سبب تلك الأعراض، إذ قد يكون الأشخاص الذين يعانون منها أكثر ميلًا لاستخدام هواتفهم بصورة أكبر.
وفيما يلي 6 عادات رقمية قد تزيد التوتر المرتبط باستخدام الهاتف الذكي:
1- انتظار الإشعارات وفحص الهاتف باستمرار
قد يبدأ التوتر قبل وصول الإشعار نفسه، إذ يشير تقرير «NetPsychology» إلى أن مجرد توقع وصول الإشعارات يمكن أن يحفز استجابة التوتر، فيما أشارت دراسة تناولت مستخدمي الهواتف الذكية إلى إمكانية ارتفاع مستويات الكورتيزول مع توقع تلقي الإشعارات.
ويرتبط الفحص المتكرر للهاتف أيضًا بما يُعرف بـ«الخوف من فوات الشيء» أو FOMO، إذ قد يدفع القلق من تفويت رسالة أو تفاعل اجتماعي أو تحديث مهم المستخدم إلى التحقق المستمر من هاتفه.
وفي دراسة تجريبية نُشرت في دورية «Computers in Human Behavior»، وشملت 237 مشاركًا، أدى تجميع إشعارات الهاتف في ثلاث دفعات يوميًا إلى انخفاض مستويات التوتر وزيادة الشعور بالرفاهية، بينما سجلت المجموعة التي أوقفت الإشعارات بالكامل مستويات أعلى من القلق والخوف من فوات الشيء.
2- استخدام الهاتف طوال اليوم دون انقطاع
يُعد الاتصال الرقمي المستمر من أبرز العوامل المرتبطة بالتوتر الرقمي، إذ لا تتوقف رسائل البريد الإلكتروني واتصالات العمل والأخبار ومنشورات التواصل الاجتماعي تلقائيًا.
وقد يؤدي استمرار هذه الاتصالات، حتى عندما تكون إيجابية، إلى شعور المستخدم بأنه متصل ومتاح للآخرين طوال الوقت، ما قد يصعّب الحصول على فترات واضحة للراحة والاسترخاء.
3- متابعة الأخبار والمعلومات بلا توقف
يوفر الهاتف وصولًا سريعًا إلى الأخبار والمعلومات، لكن التدفق المستمر للمحتوى قد يتحول بدوره إلى مصدر للضغط.
فالمستخدم قد يتلقى أخبارًا مزعجة أو أحداثًا سلبية في أي وقت، حتى أثناء وجوده في بيئة هادئة أو خلال فترات الراحة.
وقد يسهم هذا التدفق في زيادة الحمل المعرفي وإجهاد اتخاذ القرارات، نتيجة اضطرار الدماغ إلى التعامل مع عدد كبير من المعلومات والخيارات والتنبيهات بدلًا من التركيز على مهمة واحدة.
4- البقاء متصلًا بالعمل بعد انتهاء الدوام
وجود البريد الإلكتروني وتطبيقات العمل على الهاتف طوال الوقت قد يجعل الفصل بين ساعات العمل والراحة أكثر صعوبة.
وتُعد ثقافة «الاتصال الدائم» أحد العوامل المحركة للتوتر الرقمي، إذ قد يشعر المستخدم بضرورة متابعة الرسائل والرد عليها حتى بعد انتهاء ساعات العمل، ما يبقي العقل في حالة استنفار بدل الانتقال إلى الراحة.
5- المقارنة المستمرة عبر مواقع التواصل
لا تقتصر مصادر التوتر على الإشعارات والرسائل، إذ قد يكون المحتوى المعروض على منصات التواصل الاجتماعي عاملًا إضافيًا.
فالتعرض المستمر لصور ومعلومات منتقاة من حياة الآخرين قد يدفع بعض المستخدمين إلى المقارنة الاجتماعية والشعور بأن مكانتهم أو إنجازاتهم أقل من الآخرين.
كما يمكن أن يتعرض المستخدم عبر المنصات لمحتوى مثير للقلق أو الجدل، فضلًا عن احتمالية التعرض للتنمر أو محتوى مزعج.
6- التقاط الهاتف تلقائيًا عند الشعور بالملل
قد تتحول لحظات الفراغ إلى عادة تلقائية تبدأ بالتقاط الهاتف دون هدف واضح، ثم الانتقال بين التطبيقات وفحص الإشعارات بصورة متكررة.
ويرتبط هذا السلوك بأنظمة المكافأة والتوتر، إذ يمكن أن يخلق انتظار الإشعارات استجابة مرتبطة بالدوبامين، بينما يؤدي التعامل المستمر مع المعلومات والتفاعلات إلى زيادة الحمل المعرفي والضغط الاجتماعي.
وقد يرتبط الاستخدام القهري للهاتف والفحص المتكرر والخوف من تفويت الأحداث بزيادة أعراض القلق والاكتئاب لدى بعض الأشخاص.
كيف تقلل التوتر المرتبط بالهاتف؟
يمكن الحد من التوتر الرقمي عبر مجموعة من الإجراءات، من بينها تجميع الإشعارات بدل استقبالها بصورة مستمرة، وإزالة تطبيقات التواصل الاجتماعي من الهاتف عند الحاجة، وإبعاد الأجهزة عن غرفة النوم، وتخصيص فترات منتظمة للابتعاد عن التكنولوجيا.
ووفق تقديرات أوردها «NetPsychology»، قد يرتبط تجميع الإشعارات بانخفاض الكورتيزول بنحو 20% خلال أسبوع، فيما قد يرتبط حذف تطبيقات التواصل الاجتماعي بانخفاض يتراوح بين 25% و35% خلال أسبوعين.
كما أشار التقرير إلى ارتباط إبعاد الأجهزة عن غرفة النوم بتحسن يقدّر بنحو 30% في إيقاع الكورتيزول.
وتستند هذه التقديرات إلى بيانات مجمعة من دراسات تدخلات سلوكية أُجريت بين عامي 2019 و2023، ولذلك لا ينبغي التعامل معها بوصفها نتائج مضمونة لجميع المستخدمين، إذ يمكن أن تختلف الاستجابة من شخص إلى آخر.

