على مسافة نحو ستة كيلومترات ونصف من الساحل المصري، ترقد مدينة كانت تستقبل السفن المتجهة إلى مصر قبل أن تغمرها مياه البحر المتوسط. وقرب الساحل التونسي، تكشف الشوارع الغارقة وأحواض تمليح الأسماك ملامح مدينة رومانية ضربتها كارثة بحرية، بينما تحفظ سفينة تجارية في البحر الأحمر مئات القطع الخزفية الصينية التي عبرت بين آسيا والموانئ العربية قبل نحو ثلاثة قرون.
تابعونا على التليكرام
اكتسب هذا الأرشيف المغمور أهمية خاصة في 21 أغسطس/آب 2026، مع الاحتفال للمرة الأولى بـاليوم الدولي للتراث الثقافي المغمور بالمياه، بالتزامن مع مرور 25 عامًا على اتفاقية اليونسكو لعام 2001 الخاصة بحماية هذا التراث، في وقت تتزايد فيه الأخطار التي تهدده، من الحروب والنهب والاتجار غير المشروع إلى التلوث والتوسع الساحلي وتغير المناخ. وتؤكد اليونسكو أن الاتفاقية تضم حاليًا 81 دولة طرفًا.
أول يوم دولي للتراث الثقافي المغمور
اعتمد المؤتمر العام لليونسكو، خلال دورته الثالثة والأربعين في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تخصيص 21 أغسطس/آب من كل عام يومًا دوليًا للتراث الثقافي المغمور بالمياه، بعد مبادرة تقدمت بها مصر.
وجاء اختيار 21 أغسطس تخليدًا لذكرى انطلاق أول بعثة أثرية متعددة الأطراف للتراث المغمور تحت رعاية اليونسكو في منطقة سكيركي بالبحر المتوسط.
وبذلك شكّل 21 أغسطس/آب 2026 أول احتفال رسمي عالمي بهذه المناسبة، بالتزامن مع الذكرى الخامسة والعشرين لاعتماد اتفاقية حماية التراث الثقافي المغمور لعام 2001.
وتحمل المبادرة بالنسبة إلى مصر دلالة تتجاوز الاحتفال الرمزي، إذ تضم البلاد عددًا من أشهر تجمعات الآثار المغمورة في المنطقة، ولا سيما في الإسكندرية وخليج أبي قير، كما تستضيف جامعة الإسكندرية أنشطة ومؤسسات متخصصة في الآثار البحرية وحماية التراث المغمور.
ما المقصود بالتراث الثقافي المغمور؟
وفق اتفاقية اليونسكو لعام 2001، يشمل التراث الثقافي المغمور جميع آثار الوجود البشري ذات الطابع الثقافي أو التاريخي أو الأثري التي ظلت تحت الماء، كليًا أو جزئيًا، بصورة دورية أو متواصلة، لمدة لا تقل عن 100 عام.
ويشمل ذلك حطام السفن وحمولاتها، والمدن والأحياء الغارقة، والمرافئ والمنشآت الساحلية القديمة، فضلًا عن القطع الأثرية المرتبطة بها.
ولا يقتصر المفهوم على البحار والمحيطات، بل يمتد إلى الأنهار والبحيرات وغيرها من البيئات المائية.
لكن وجود موقع على الساحل لا يجعله تلقائيًا موقعًا أثريًا مغمورًا. فبعض المواقع العربية يضم آثارًا غارقة فعلًا، بينما يجمع بعضها الآخر بين منشآت قائمة على اليابسة وعناصر بحرية مرتبطة بتاريخها، مثل مغاصات اللؤلؤ والممرات والموانئ القديمة.
خليج أبي قير.. ثونيس-هيراكليون تعود إلى الخريطة
قبل أن تتصدر الإسكندرية التجارة المصرية في البحر المتوسط، كانت ثونيس-هيراكليون بوابة بحرية رئيسية تربط الداخل المصري بشبكات التجارة القادمة من العالم الإغريقي.
حملت المدينة اسم «ثونيس» في المصادر المصرية، و«هيراكليون» في المصادر الإغريقية، قبل أن تكشف أعمال المسح والتنقيب أن الاسمين يعودان إلى مدينة واحدة.
وتقع آثار المدينة على مسافة تقارب 6.5 كيلومترات من الساحل الحالي، وعلى عمق يقارب عشرة أمتار، بعدما بدأت أعمال البحث في المنطقة سنة 1996، وتوالت الاكتشافات الكبرى منذ عام 2000.
وكشفت عمليات التنقيب عن معابد ومرافئ وأحواض للسفن وتماثيل ضخمة ونقوش وعملات وأوانٍ وقطع مرتبطة بالحياة اليومية، ما يعكس مكانة المدينة بوصفها مركزًا تجاريًا ودينيًا وإداريًا.
ويرتبط غرق ثونيس-هيراكليون بعوامل طبيعية متراكمة، من بينها الزلازل والأمواج العاتية وهبوط أجزاء من دلتا النيل وسيولة التربة المشبعة بالمياه، ما يجعل قصتها أبعد من صورة مدينة اختفت بفعل موجة واحدة مفاجئة.
الإسكندرية الغارقة.. خريطة الميناء الملكي القديم
لا ينتهي التراث المصري المغمور عند ثونيس-هيراكليون، ففي الميناء الشرقي للإسكندرية كشفت الأبحاث عن بقايا الميناء الكبير القديم وأجزاء من الحي الملكي، إلى جانب منشآت مرتبطة بجزيرة أنتيرودوس ومعابد وأرصفة وقطع معمارية.
وتساعد هذه الآثار في إعادة تصور شكل الإسكندرية البطلمية والرومانية وعلاقتها المباشرة بالبحر، كما تسهم إعادة رسم الجزر والأرصفة وخطوط الساحل القديمة في تفسير ما ورد في المصادر التاريخية عن القصور والمعابد والحركة البحرية.
ولا تقتصر أهمية الموقع على تماثيل أو قطع أثرية منفردة، بل تكمن في قدرته على إعادة تشكيل خريطة مدينة كانت فيها السلطة والتجارة والعمارة مرتبطة بالواجهة البحرية.
نيابوليس التونسية.. مدينة وصناعة تحت الماء
قرب مدينة نابل على الساحل التونسي، تقدم نيابوليس مثالًا مختلفًا على المدن التي غمرتها المياه.
وكشفت بعثات أثرية عن بقايا شوارع ومنشآت ومرافق صناعية مرتبطة بتمليح الأسماك وإنتاج «الغاروم»، وهي صلصة سمكية كانت واسعة الانتشار في العالم الروماني.
وقدرت تقارير مساحة الجزء المغمور الذي جرى التعرف إليه بنحو 20 هكتارًا، ما يقدم صورة عن مدينة كانت جزءًا من شبكة اقتصادية وتجارية واسعة في البحر المتوسط.
وتكشف أحواض الإنتاج أن أهمية نيابوليس لا تقتصر على كونها مدينة غارقة، بل تمتد إلى دورها في اقتصاد بحري تحركت عبره المواد الغذائية والبضائع بين موانئ متباعدة.
وعلى الساحل الجزائري، وثقت أعمال مسح في محيط تيبازة وشرشال مواقع أثرية مغمورة أخرى، من بينها موقع يضم 23 مدفعًا يعود تاريخها إلى القرنين السادس عشر والسابع عشر.
سكيركي.. مقبرة سفن على طريق المتوسط
في منطقة مرتفعات سكيركي بين تونس وصقلية، لا تدور الحكاية حول مدينة ابتلعها البحر، بل حول طريق بحري استخدمته السفن على مدى آلاف السنين.
وفي عام 2022، شارك باحثون من ثماني دول متوسطية، بينها مصر وتونس والجزائر والمغرب، في بعثة دولية استمرت 14 يومًا تحت رعاية اليونسكو، مستخدمين مركبات تعمل عن بعد وتقنيات حديثة لمسح قاع البحر وتوثيق حطام السفن.
وفي الجانب التونسي، وثقت البعثة ثلاثة مواقع جديدة لسفن غارقة تمتد فتراتها الزمنية من العصور القديمة إلى القرن التاسع عشر، فيما أعادت في الجانب الإيطالي دراسة حطامات رومانية كانت بعثات سابقة قد رصدتها.
وتوضح سكيركي أن البحر لا يحفظ المدن فقط، بل يحتفظ أيضًا بتاريخ الطرق البحرية، إذ قد تكشف كل سفينة غارقة عن طبيعة البضائع وشبكات التجارة وتقنيات صناعة السفن وأسباب المخاطر الملاحية.
صور اللبنانية.. التراث بين البحر وأخطار الحرب
تمثل مدينة صور اللبنانية نموذجًا آخر لموقع لا يمكن فهم تاريخه من اليابسة وحدها، إذ تضم منطقتها الأثرية بقايا مرتبطة بالمرافئ والمنشآت البحرية، إلى جانب الآثار البرية التي تعكس أدوار المدينة الفينيقية والرومانية والبيزنطية والصليبية.
وفي عام 2026، أُدرج موقع صور على قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر، في ظل التهديدات التي تطال الموقع نتيجة الأعمال العدائية والظروف التي تعيق المحافظة عليه. وتظهر قائمة اليونسكو الحالية صور ضمن مواقع لبنان المدرجة على قائمة الخطر منذ عام 2026.
وتبرز حالة صور كيف يمكن للحروب أن تهدد التراث الساحلي والمغمور حتى عندما لا يصاب كل عنصر أثري تحت الماء بصورة مباشرة، إذ تمتد المخاطر إلى صعوبة الوصول والتوثيق والصيانة وتضرر البيئة المحيطة بالمواقع.
ميناء غزة القديم.. موقع أثري تحت ضغط الحرب
في قطاع غزة، يبرز ميناء الأنثيدون، المعروف أيضًا باسم البلخية، بوصفه أحد أقدم الموانئ البحرية المعروفة في المنطقة.
وتضعه اليونسكو على القائمة التمهيدية للتراث العالمي، وتشير بياناتها إلى تاريخ طويل للموقع يمتد من نحو القرن الثامن قبل الميلاد حتى العصور الوسطى، مرورًا بمراحل آشورية وبابلية وفارسية ويونانية ورومانية وبيزنطية وإسلامية.
ويجمع الموقع بين عناصر ساحلية وآثار تمتد من الشاطئ إلى الداخل، ما يجعله مشهدًا أثريًا متكاملًا وليس «مدينة غارقة» بالمعنى التقليدي.
وبخلاف ما ورد في بعض التقارير السابقة، تؤكد اليونسكو أنها تحققت من وقوع أضرار في ميناء الأنثيدون، وأدرجته ضمن المواقع الأثرية المتضررة في قطاع غزة، في تقييم محدث حتى 24 مارس/آذار 2026.
ويبرز ذلك هشاشة المواقع الأثرية الساحلية في ظروف الحرب، حيث تمتد المخاطر إلى المباني والمخازن واللقى والسجلات، فضلًا عن تعطل أعمال المسح والصيانة والحماية.
حطام أملج.. خزف صيني في قلب البحر الأحمر
قبالة الساحل السعودي قرب أملج، يحتفظ حطام سفينة تجارية تعود إلى القرن الثامن عشر بقصة تجارة بحرية امتدت بين مصر والجزيرة العربية والمحيط الهندي.
وكشفت الدراسات عن حمولة متنوعة ضمت خزفًا صينيًا وجرارًا وأوعية زجاجية وجوزة الطيب وبقايا غذائية وأدوات شخصية وأجزاء من تجهيزات السفينة.
وخلال موسم التنقيب عام 2022، وثق الباحثون 134 كوبًا خزفيًا صينيًا كاملًا أو شبه كامل، إلى جانب 479 شظية خزفية.
وتشير هذه القطع إلى شبكات تجارية كانت تربط موانئ البحر الأحمر بالأسواق الآسيوية عبر المحيط الهندي، ما يجعل الكوب الخزفي أكثر من مجرد قطعة أثرية؛ فهو شاهد على رحلة إنتاج وتجارة واستهلاك امتدت آلاف الكيلومترات.
عُمان.. حطام يروي صراع السيطرة على المحيط الهندي
قبالة جزيرة الحلانية بمحافظة ظفار العُمانية، درست بعثات أثرية بقايا سفينة أوروبية تعود إلى أواخر القرن الخامس عشر أو مطلع القرن السادس عشر.
ويرجح الباحثون أن الحطام يعود إلى السفينة البرتغالية «إزميرالدا» التي كانت ضمن حملة مرتبطة بأسطول فاسكو دا غاما وغرقت سنة 1503.
وتكتسب البقايا أهمية خاصة لأنها تقدم شواهد مادية على مرحلة تصاعد فيها التنافس العسكري والتجاري للسيطرة على طرق المحيط الهندي.
ومع ذلك، تتطلب هوية السفينة صياغة علمية حذرة؛ فهي مرجحة بقوة استنادًا إلى الأدلة التي درسها المشروع، من دون أن يعني ذلك أن جميع التفاصيل المتداولة عنها حقائق نهائية غير قابلة للمراجعة.
البحرين وقطر.. التراث البحري ليس دائمًا مدينة غارقة
تقدم البحرين مثالًا واضحًا على الفرق بين التراث الثقافي المغمور والمشهد الثقافي البحري الأوسع.
فموقع «طريق اللؤلؤ.. شاهد على اقتصاد جزيرة» يضم مباني في مدينة المحرق وثلاثة مغاصات للمحار في البحر، فضلًا عن جزء من الساحل وقلعة بوماهر.
وتوضح هذه العناصر كيف نشأ اقتصاد متكامل جمع الغواصين والسفن والتجار والمخازن والمساكن في منظومة واحدة، من دون أن يعني ذلك وجود مدينة غارقة مشابهة لثونيس-هيراكليون.
ويتكرر الترابط بين البحر واليابسة في موقع قلعة البحرين والمرفأ القديم وعاصمة دلمون، حيث ترتبط الآثار بحركة الملاحة والتجارة التي أدت دورًا محوريًا في تاريخ دلمون.
وفي قطر، تمثل الزبارة مدينة ساحلية تاريخية ازدهرت في أواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر بفضل التجارة وصيد اللؤلؤ.
والزبارة ليست مدينة غارقة، إذ يقع موقعها الأثري الرئيسي على اليابسة، لكنها ترتبط بمشهد بحري ومواقع مغمورة يجري البحث فيها بمحيطها.
وتوضح المبادرات التدريبية التي شارك فيها غواصون وخبراء آثار في المنطقة أهمية إشراك مجتمع الغوص في توثيق التراث المغمور وحمايته، بدل التعامل مع المواقع باعتبارها أماكن لجمع القطع والتذكارات.
لماذا لا يكون انتشال الآثار الخيار الأفضل دائمًا؟
قد يبدو إخراج القطعة الأثرية من الماء أسرع وسيلة لإنقاذها، إلا أن اتفاقية اليونسكو تمنح الأفضلية لحفظ التراث في موقعه الأصلي قبل التفكير في انتشاله، متى كانت الظروف تسمح بذلك.
ويرتبط ذلك بأهمية السياق الأثري؛ فمكان الجرّة داخل السفينة، وعلاقتها ببقايا الحمولة أو أدوات الملاحة والطبقات المحيطة بها، قد يقدم معلومات لا يمكن الحصول عليها بعد نقلها إلى المتحف.
كما أن انتشال الأخشاب والمعادن والمواد الأخرى من بيئة مائية استقرت فيها لمئات السنين قد يعرضها للتلف إذا لم تتوافر عمليات حفظ وترميم متخصصة.
ولا يعني ذلك منع الانتشال كليًا، إذ قد يصبح ضروريًا عندما يتعرض الموقع لخطر مباشر أو عندما يكون إخراج القطعة جزءًا من خطة علمية موثقة للحفظ والدراسة.
وتسمح تقنيات السونار والتصوير ثلاثي الأبعاد والمركبات المسيّرة عن بعد بتوثيق مساحات واسعة من المواقع من دون الحاجة إلى انتشال كل ما يعثر عليه الباحثون.
ما الذي يهدد التراث المغمور على السواحل العربية؟
تواجه الآثار المغمورة مجموعة واسعة من التهديدات، من بينها النهب والاتجار غير المشروع والاستغلال التجاري والتلوث والصيد والجرف وتطوير السواحل، فضلًا عن تغير المناخ واضطراب البيئات البحرية.
كما يمكن أن تتسبب مشاريع الردم والحفر والتوسع العمراني الساحلي في خسائر يصعب تعويضها عندما تُنفذ من دون مسوحات أثرية وبيئية مسبقة.
وتضيف الحروب خطرًا إضافيًا، كما يظهر في لبنان وغزة، إذ لا يقتصر أثرها على الضربات المباشرة، وإنما يشمل تعطيل وصول الباحثين وأعمال التوثيق والصيانة، والإضرار بالمخازن والمباني والسجلات المرتبطة بالمواقع.
وتبقى محدودية الكوادر المتخصصة ونقص التدريب والجرد والخرائط الأثرية تحديات أخرى أمام حماية مساحات شاسعة من السواحل العربية.
وتبدأ الحماية أولًا بمعرفة ما يوجد تحت الماء: مسوحات علمية، وقواعد بيانات دقيقة، وتوثيق مستمر، وضوابط على مشروعات التطوير الساحلي، وتدريب للغواصين والباحثين، وتعاون دولي لحماية السفن والطرق البحرية التي سبقت الحدود السياسية الحديثة بقرون.

