Site icon قناة الفلوجة | Alfallujah Tv

أول حاسوب في التاريخ.. آلة عمرها ألفا عام تكشف عبقرية الإغريق وتحيّر العلماء

قبل أكثر من ألفي عام، نجح مهندسون في اليونان القديمة في ابتكار آلة ميكانيكية معقدة قادرة على محاكاة حركة الأجرام السماوية والتنبؤ بظواهر فلكية، في إنجاز علمي يسبق ظهور الحواسيب الحديثة بقرون طويلة.


تابعونا على التليكرام


وتُعرف هذه الآلة باسم «أنتيكيثيرا» (Antikythera Mechanism)، ويصفها العلماء بأنها أقدم حاسوب تناظري معروف في التاريخ، بعدما عُثر على بقاياها عام 1901 داخل حطام سفينة قبالة سواحل جزيرة أنتيكيثيرا اليونانية.

ورغم مرور أكثر من قرن على اكتشافها، فإن أسرار تصميمها لم تُكشف بالكامل. لكن دراسة نشرها باحثون من كلية لندن الجامعية (UCL) في مارس/آذار 2021 قدمت نموذجاً جديداً يفسر كيفية عمل واجهتها الأمامية، في خطوة مهمة نحو فهم واحدة من أعقد الآلات التي وصلت إلينا من العالم القديم.

اكتشاف غامض في أعماق البحر المتوسط

بدأت قصة آلة أنتيكيثيرا عندما عثر غواصون على حطام سفينة قديمة محملة بقطع أثرية ثمينة بالقرب من جزيرة يونانية تحمل الاسم نفسه.

وبين التماثيل والقطع الأثرية المستخرجة من الحطام، ظهرت كتلة معدنية متآكلة لم تكن تبدو للوهلة الأولى ذات أهمية استثنائية.

لكن الفحص اللاحق كشف أن القطعة تحتوي على تروس برونزية دقيقة ونقوش يونانية، ما دفع العلماء إلى الاعتقاد بأنها جزء من جهاز ميكانيكي بالغ التعقيد.

وتتكون البقايا المعروفة اليوم من 82 قطعة متفاوتة الحجم، تضم نحو 30 ترساً برونزياً محفوظاً، بينما تشير التقديرات إلى أن ما وصل إلى الباحثين لا يتجاوز ثلث الآلة الأصلية.

كيف عمل أول حاسوب تناظري في العالم؟

لم تكن آلة أنتيكيثيرا حاسوباً إلكترونياً بالمعنى الحديث، بل جهازاً ميكانيكياً يعمل يدوياً باستخدام منظومة مترابطة من التروس والعجلات المسننة.

وكانت حركة هذه التروس تسمح بمحاكاة الدورات الفلكية، وإظهار مواقع الشمس والقمر وبعض الكواكب، إلى جانب حساب دورات زمنية مرتبطة بظواهر الكسوف والخسوف.

واستند الجهاز إلى التصورات الفلكية السائدة في العالم اليوناني القديم، والتي كانت تضع الأرض في مركز الكون، وتفسر حركة الأجرام السماوية انطلاقاً من هذا التصور.

ورغم أن هذه الرؤية لا تتفق مع الفهم العلمي الحديث لحركة المجموعة الشمسية، فإن تحويلها إلى نظام ميكانيكي دقيق يُعد إنجازاً هندسياً استثنائياً بمقاييس ذلك العصر.

علماء بريطانيون يعيدون بناء الجزء المفقود

في 12 مارس/آذار 2021، أعلن فريق بحثي من كلية لندن الجامعية تحقيق تقدم كبير في فهم طريقة عمل الواجهة الأمامية لآلة أنتيكيثيرا.

ونُشرت نتائج الدراسة في دورية «Scientific Reports» العلمية، حيث قدم الباحثون نموذجاً حاسوبياً ثلاثي الأبعاد يفسر كيفية ترتيب التروس والمؤشرات المسؤولة عن تمثيل حركة الأجرام السماوية.

واعتمد الفريق على الأدلة المادية المتبقية من الآلة، والنقوش اليونانية التي كُشفت بمساعدة تقنيات التصوير بالأشعة السينية، فضلاً عن العلاقات الرياضية المستخدمة في علم الفلك القديم.

وتمكن الباحثون من تصميم منظومة ميكانيكية مقترحة تتوافق مع الأدلة المتاحة، وتفسر كيفية عرض حركة الشمس والقمر والكواكب الخمسة التي عرفها الإغريق آنذاك.

خمسة كواكب ونظام معقد من التروس

شملت الحسابات الفلكية التي تناولها النموذج الجديد حركة خمسة كواكب، هي عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل، إلى جانب الشمس والقمر.

وكان تمثيل هذه الحركات تحدياً كبيراً بسبب تعقيد مسارات الكواكب كما تبدو من الأرض، وما تتضمنه من تغيرات في السرعة والاتجاه الظاهري.

وللتغلب على هذه الصعوبة، صمم الباحثون منظومة متشابكة من التروس قادرة على تحويل العلاقات الرياضية الفلكية إلى حركة ميكانيكية.

واستند النموذج إلى نقوش قديمة كشفت عن دورات فلكية معقدة، منها دورة مرتبطة بكوكب الزهرة تمتد 462 عاماً، وأخرى مرتبطة بزحل تمتد 442 عاماً.

ويرى الباحثون أن هذه المعطيات ساعدتهم على اقتراح تصميم ينسجم مع المساحة المحدودة داخل الجهاز ومع الشواهد التي بقيت منه.

ما دور التصوير بالأشعة السينية في كشف أسرار الآلة؟

شكل استخدام التصوير المقطعي بالأشعة السينية عام 2005 نقطة تحول في دراسة آلة أنتيكيثيرا.

فقد أتاحت هذه التقنية فحص أجزاء من الآلة دون إتلافها، وكشفت تفاصيل ميكانيكية ونقوشاً دقيقة كانت مخفية داخل القطع المعدنية المتآكلة.

وساعدت النتائج العلماء على فهم أجزاء مهمة من الآلية الخلفية، بما في ذلك مؤشرات التقويم ودورات التنبؤ بالكسوف والخسوف.

أما الواجهة الأمامية، فظلت أكثر غموضاً بسبب فقدان معظم مكوناتها، قبل أن يقدم فريق كلية لندن الجامعية تفسيراً جديداً لبنيتها المحتملة.

هل نجح العلماء في حل لغز أنتيكيثيرا بالكامل؟

رغم أهمية الإنجاز البحثي، فإن النموذج الذي قدمه علماء كلية لندن الجامعية لا يمثل إعادة بناء مؤكدة للآلة الأصلية.

فمع فقدان نحو ثلثي الجهاز، لا يزال من الصعب الجزم بأن جميع التروس والمؤشرات كانت مرتبة بالطريقة نفسها التي اقترحها الباحثون.

ويؤكد الفريق أن النموذج يتوافق مع الأدلة المادية والنقوش المعروفة، لكنه يتضمن عناصر نظرية استُخدمت لملء الفراغات التي خلّفها فقدان أجزاء كبيرة من الآلة.

ولهذا، فإن دراسة عام 2021 تمثل تقدماً مهماً في تفسير تصميم الجهاز، وليس إعلاناً نهائياً عن كشف جميع أسراره.

من صنع آلة أنتيكيثيرا؟ ولماذا؟

لا تزال هوية صانع آلة أنتيكيثيرا مجهولة، كما لم يُحسم الغرض الدقيق من استخدامها.

ويرجح الباحثون أن الجهاز كان مخصصاً للحسابات الفلكية، لكن الأسئلة لا تزال قائمة بشأن استخدامه أداةً تعليمية أو جهازاً علمياً متخصصاً أو وسيلةً لعرض المعرفة الفلكية.

ومن الأسئلة التي تثير اهتمام المؤرخين أيضاً ما إذا كانت هذه الآلة ابتكاراً فريداً، أم أنها واحدة من مجموعة أجهزة ميكانيكية مشابهة لم يصل منها شيء إلى العصر الحديث.

اختراع قديم يعيد رسم تاريخ التكنولوجيا

تكمن أهمية آلة أنتيكيثيرا في أنها تكشف مستوى متقدماً من المعرفة الرياضية والفلكية والهندسية لدى الإغريق القدماء.

فقد استطاع صانعوها تحويل الحسابات النظرية إلى منظومة تروس دقيقة، قادرة على تمثيل ظواهر سماوية معقدة باستخدام الحركة الميكانيكية وحدها.

وبينما تواصل الدراسات الحديثة محاولة تفسير أجزائها المفقودة، تظل آلة أنتيكيثيرا شاهداً على أن تاريخ الحوسبة أقدم بكثير من ظهور الأجهزة الإلكترونية.

وبعد أكثر من ألفي عام على صناعتها، لا تزال هذه الآلة تطرح سؤالاً تاريخياً مثيراً: ما الاختراعات الأخرى التي عرفتها الحضارات القديمة، لكنها لم تنجُ من عوامل الزمن؟

Exit mobile version