الوضع الداكن
ثقافة - “أسد البحار”.. قصة البحّار العربي الذي أنار طرق المحيط الهندي
نشر بتاريخ 2025/09/29 10:45 صباحًا
52 مشاهدة

فارس الموج الذي أبى أن تنحني قامته للرياح

في زمنٍ كانت فيه البحار تفصل بين القارات، لا تربطها، وكان الخوف من المجهول يمنع الناس من الإبحار نحو الأفق، ظهر رجلٌ عربيّ من رأس الخيمة، جعل من البحر صديقًا ومن الريح رفيقًا، ومن النجوم دليلاً، ومن الرحلات علمًا. إنه أحمد بن ماجد، الذي استحق بجدارة لقب “أسد البحار”، وخلّد اسمه في كتب الملاحة وأساطير البحّارة.

تحية من البرّ الضيق إلى الفارس الراكب أمواج الجنوب

يا ابن ماجد، يا من كانت خطواتك تبدأ بقراءة الفاتحة والمعوذات قبل كل إبحار، لم تكن مجرد بحار، بل كنت معلمًا، مفكرًا، شاعرًا، وعالمًا في الفلك والملاحة والجغرافيا.

في زمننا هذا، الموانئ أصبحت ترسانات، والبحار طافحة بالأساطيل المريبة والقراصنة المعاصرين، لكن اسمك، وإن غاب جسدك، لا يزال يرفرف فوق السفن الباحثة عن طريق، ويهديها كما كانت تفعل “دائرة الأفق” التي اخترعتها بذكاء عربي خالص.

المؤسِّس والمعلم الأول في علم الملاحة

وُلد أحمد بن ماجد في القرن الخامس عشر، وتربّى على صوت الموج، وسرعان ما أصبح معلمًا ومبتكرًا في علم البحار، مؤلفًا لواحد من أهم المراجع في تاريخ الملاحة البحرية:
“الفوائد في أصول علم البحر والقواعد”، الذي صار لاحقًا مدرسة بحرية مستقلة.

أنتج أكثر من 40 كتابًا ومخطوطة، برع فيها في شرح اتجاهات الرياح، حركة النجوم، الملاحة بالسُفن الشراعية، وتصميم الخرائط الملاحية، فصار مرجعًا لكل من أراد الإبحار بأمان في المحيط الهندي وبحر العرب.


تابعونا على التلكرام


اتهامات باطلة.. والمجد لا يُشوَّه

حاول البعض تلطيخ اسمك، وربطك بالمستعمر البرتغالي فاسكو دي غاما، مدّعين أنك رافقته ودلّلته على طرق الملاحة، لكن لم تذكره في مؤلفاتك، ولم تسجل له دورًا في رحلاتك. وإن صحَّت المرافقة، فإن التاريخ المنصف سيقول: إن دي غاما هو من رافقك، لا العكس.

لقد كنت أستاذًا ينهل منه الغربيون، لا تابعًا يُستغل. المؤرخون المنصفون قالوها صراحة: “لم يكن أحمد بن ماجد سببًا في دخول البرتغاليين إلى البحار العربية، بل كان سيدًا فوقها”.

رائدٌ في البحر.. شاعرٌ في الحنين إليه

لم تكن رحلاتك مجرد تحركات تجارية، بل كانت تجارب شعرية وروحية. كتبتَ القصائد التي تفيض حبًا للبحر، وعشقًا لرحلات الإبحار، فجعلت من حكاياتك ملاحم، تروى كما تُروى الأساطير.

لقد جمعت بين علم الرياضيات، والفلك، والجغرافيا، والأدب، وسخّرتها لتأسيس نهج ملاحي واضح ترك أثرًا مستمرًا حتى عصر الأقمار الصناعية.

بحر فلسطين.. هل تسمع صراخه؟

يا بن ماجد، لو سألتني اليوم عن عكا التي هزمت نابليون، أو عن ميناء حيفا الذي تحوّل إلى ترسانة موت، لما وجدت في جوابي إلا الغصة والحسرة.
أما بحر غزة، فيُطوّق بالألم، وتُغلق عليه المنافذ، وتُغرقه الأساطيل، بينما أطفال فلسطين يرسمون قوارب ورقية على الشاطئ، يحلمون بالعبور… كما كنت تعبر.

الختام: منارة بحرية لا تنطفئ

سلام عليك يا أحمد بن ماجد، يا أسد البحار، يا ابن أبي الركاب، يا من قهرت البحر بالمعرفة لا بالقوة، وأضأت طرق الإبحار بالعلم لا بالغزو.
سنظل نذكرك، لا لنرثي ماضيًا مجيدًا، بل لنستلهم منه مستقبلاً يليق بالبحّارة العرب، وبمن رفعوا الشراع يوم كانت الريح تهبّ من كل الجهات.

الكلمات الدلالية
مقالات ذات صلة
اقرأ ايضاً
اخر الحلقات