تاريخ
-
كيف ساهمت المرأة المسلمة في الدفاع عن الأقصى في وجه الغزاة؟
نشر بتاريخ 2025/09/25 10:37 مساءً
67 مشاهدة
ألف شهيدة في قبة السلسلة.. مأساة قديمة تتجدد
يذكر الإمام القاضي ابن العربي المالكي الأندلسي (ت 543هـ) في كتابه سراج المريدين مشهدًا مهيبًا من فصول مذبحة المسجد الأقصى على يد الصليبيين عام 492هـ/1099م، حين اقتحم الروم المدينة المقدسة، فلجأت نحو ألف امرأة من العابدات والمتعلّمات إلى قبة السلسلة داخل المسجد الأقصى، يتقدمنهن العالمة الشيرازية، فقيهة واعظة متعبدة. لم يتراجعن رغم هول الاقتحام، بل قمن بسبّ الغزاة ورشقهن بالتراب، حتى قُتلن جميعًا في مشهد بطولي فريد.
تكشف شهادة ابن العربي أن تلك النسوة كنّ جزءًا من تنظيم رباطي نسائي منظم، يتبع قيادة علمية واحدة. هذا الرباط لم يكن طارئًا بل امتداد لثقافة عبادة وجهاد توطنت في رحاب الأقصى، ترفض الانسحاب حتى آخر رمق، وتشكّل مثالًا صارخًا لصورة “المرأة المرابطة” التي نراها اليوم تتجدد تحت الاحتلال الصهيوني.
المسجد الأقصى.. منبر جماعي لإجماع الأمة
من المفارقات اللافتة أن أول مشروع معماري لتطوير المسجد الأقصى –تشييد قبة الصخرة– لم يُتخذ بقرار فردي، بل جاء بمشورة الخليفة عبد الملك بن مروان مع الأمة، حيث كتب إلى أهل الأمصار يستشيرهم في بناء قبة على صخرة بيت المقدس، فكتبوا إليه مؤيدين. هذه المشاركة الجماعية تُعد سابقة نادرة في تاريخ التشييد الإسلامي.
الرباط: من المحاريب إلى الثغور
يُجسد الأقصى عبر العصور حالة “الرباط”، بما تعنيه من التزام تعبدي وجهادي في آنٍ واحد. فقد كان المرابطون من العلماء والصلحاء –الذين بلغ عدد شهدائهم في المجازر الصليبية نحو ثلاثة آلاف– يحيون وصف “رهبان بالليل، ليوث بالنهار”. وكان في مقدمتهم الإمام أبو حامد الغزالي، الذي يقال إنه ألّف كتابه إحياء علوم الدين في رحاب الأقصى.
من عمر إلى صلاح الدين.. تعمير الأقصى عبادة وسلطة
منذ لحظة الفتح الإسلامي على يد الخليفة عمر بن الخطاب سنة 16هـ/638م، بدأ إعمار الأقصى. وقد شارك بنفسه في تنظيف الصخرة من الزبل الذي تركه الروم نكاية ببني إسرائيل. أما قبة الصخرة فقد بُنيت سنة 72هـ بميزانية تعادل خراج مصر لسبع سنين، ولم تُوفَّر لها فقط الأموال، بل أيضًا التصورات الهندسية، حيث طلب عبد الملك أن يُصوّر له النموذج قبل البناء.
طيب وبخور وسدنة.. إدارة روحانية لمكان مقدس
لم تقتصر العناية بقبة الصخرة على البناء فقط، بل امتدت إلى مراسم إدارية وروحية دقيقة، شملت تطييب الصخرة مرتين أسبوعيًا بخليط من المسك والعنبر والزعفران، بواسطة خدمٍ مخصوصين بزيّ موحد. وكانت رائحة البخور تملأ القدس، ويتسابق الناس للزيارة، وكان من يُعرف أنه زار الصخرة من عبق الطيب العالق بملابسه!
منارات علم وتربية ومؤلفات
حظي المسجد الأقصى بمكانة علمية عززها العلماء بتأليف عشرات الكتب عن فضائله منذ القرن الثاني الهجري. أولها كتاب “فتوح بيت المقدس” لبشر بن إسحاق البلخي، ثم “فضائل بيت المقدس” للوليد الرملي، مرورًا بكتب عشرات المؤرخين والفقهاء.
أعظم مشروع جماعي لبناء مسجد.. وكنوز من ذهب
في أوج عمارته، زُيِّن المسجد الأقصى بآلاف القناديل المصنوعة من الذهب والفضة، والمعلّقة على سلاسل بلغ طولها 4 آلاف ذراع. وقد نهب الصليبيون معظمها خلال احتلالهم، إذ وثقت المصادر أنهم استولوا على أكثر من 60 قنديلاً من الذهب والفضة، تزن عشرات الكيلوغرامات.
الأقصى اليوم.. استمرار للرباط ومركزية القضية
رغم مرور أكثر من ألف عام، فإن مشهد الرباط النسوي لم يغب عن المشهد. فما شهدته قبة السلسلة بالأمس، يتكرر اليوم عبر “نساء الأقصى” المرابطات في وجه الانتهاكات الصهيونية. وبهذا يستمر الأقصى بكونه مركزًا لقضية الأمة، ورمزًا موحدًا للمقاومة والرباط.