الوضع الداكن
تاريخ - مكتبة الحكمة.. طفرة بالمعرفة الإنسانية وثورة في مجال العلوم
نشر بتاريخ 2023/09/12 8:29 صباحًا
863 مشاهدة

يطلُّ على نهر دجلة في جانب الرصافة بالعاصمة العراقية بغداد، طراز معماري خاص في العمارة الإسلامية، سقفه المزدان بنقوش أنيقة يُعَدُّ من أكبر المعالم التراثية في بغداد العباسية على الطراز الإسلامي المزخرف والمنقوش بآيات قرآنية.

ويعدّ بيت الحكمة واحدا من أبرز المراكز والمؤسسات البحثية والثقافية على مستوى العالم العربي والإسلامي زمن الخلفاء العباسيين الذين حكموا بغداد بين 750 و1258 للميلاد، بـ37 خليفة.

خزانة الكتب

ذُكِرَ في الموسوعة العربية أنَّ “بيت الحكمة” تعبير يُطلق على دار علمية ظهرت في عصر هارون الرشيد (149-193 للهجرة/ 766-809 للميلاد)، وازدهرت في عصر المأمون والخليفة أبي جعفر المنصور، إذ ازدهرت الترجمة إلى العربية من خلال ترجمة الكتب اليونانية في العلم والفلسفة.

يقول الأكاديمي والباحث حيدر التميمي “من مستقره الآمن خلف الأسوار السميكة والبوابات الحصينة لمدينتهِ الجديدة على الضفاف الغربية لدجلة، راح المنصور النشط يُخطِّط لتحويل ما تحت سلطانه من أمصار متغايرة إلى قوة علمية عظمى، وضمان مستقبل العباسيين بالربط بين دولتهم الجديدة وبين التقاليد الكلاسيكية العظيمة السالفة”.

وأوضح التميمي -وهو معاون رئيس مجلس الأمناء في بيت الحكمة- في حديثه للجزيرة نت، أن تأسيس الخليفة عاصمتَه في قلب الأراضي الناطقة بالفارسية، غير بعيد عن طيسفون عاصمة الساسانيين وبابل عاصمة البابليين، كان بدايةً موفقة.

ويتابع التميمي “استقدم الخليفة العناصر الأساسية للثقافة الإمبراطورية المجوسية، ومن ذلك بروتوكولها المتطور واعتمادها الشديد على علم النجوم. وفضلا عن ذلك، كان هذا الانجذاب إلى التنجيم الفارسي مهما على نحو خاص، لأنه كان يوحي بأن العباسيين هم الورثة الشرعيون للتراث الفارسي العظيم وأن صعودهم كان قدرا مقدورا”.

وتقول رئيسة القسم الاجتماعي في بيت الحكمة الدكتورة خديجة حسن جاسم -للجزيرة نت- إن بيت الحكمة مؤسسة علمية فكرية ذات استقلال مالي وإداري مرتبط برئاسة مجلس الوزراء، تعنى بالبحوث والدراسات والنشاطات العلمية التي تستهدف إرساء منهج الحوار بين الثقافات والأديان، بما يسهم في إشاعة ثقافة التسامح والاحترام والتعايش بين الأفراد والجماعات.

وفي معرض حديثها عن هيكلية بيت الحكمة، تُبيّن الدكتورة خديجة أن الهيكل التنظيمي لبيت الحكمة “يتألف من 8 أقسام علمية، هي: قسم الدراسات الاجتماعية، وقسم الدراسات القانونية، وقسم الدراسات السياسية والإستراتيجية، وقسم دراسات الأديان، وقسم الدراسات الاقتصادية، وقسم الدراسات التاريخية، وقسم الدراسات اللغوية والترجمية، وقسم الدراسات الفلسفية”.

النهضة العلمية الإسلامية

أمر الخليفة هارون الرشيد بإنشاء أول جامعة في التاريخ (بيت الحكمة)، ذلك الصرح العظيم الذي ملأ الدنيا علما ونورا كان بيت الحكمة، خزانة كتب فاقت 300 ألف كتاب ومركز ترجمة وتأليف وتدريس. وفي سنوات حكمه حدثت ثورة علمية وثقافية، بما في ذلك في مجال الترجمة، بهدف تطوير التعليم الإسلامي، حيث استرفد لها الرشيد أكابر القراء واللغويين والمترجمين، وأنفق أموالا طائلة لرعاية هذا الصرح العلمي العالمي.

ثم جاء زمن الخليفة المأمون بن هارون الرشيد، والذي أكمل مسيرة والده في بغداد، لكن زمنه شهد تألقا عظيما في الحضارة وصناعتها، فقد تفرد عهده بتطور مطلق في شتى العلوم، وبلغت حركة ترجمة الكتب إلى العربية أوجها، فقد كان يعطي المترجمين والمؤلفين أوزان كتبهم ذهبا، فانتعشت الترجمة إلى العربية من الحضارة اليونانية والفارسية والهندية.

يذكر الجغرافي الرحالة أبو الحسن المسعودي (283-346 للهجرة) في كتابه “مروج الذهب”، أن الخليفة أبا جعفر المنصور (95-158 للهجرة/712-775 للميلاد)، أمر بعمل ترجمات كثيرة من اللغات الأجنبية إلى العربية، ومنها الأعمال القديمة لكبار العلماء الهنود والفرس واليونان. وهو أول خليفةٍ تُرجم له من اللغات الأعجمية إلى العربية.

ويقول مشرف الدراسات السياسية والإستراتيجية في بيت الحكمة الدكتور محمود علي الداود: إن بيت الحكمة البغدادي الحالي هو سليل بيت الحكمة العباسي الذي ازدهر في عصور المنصور والرشيد والمأمون وتأسس عام 800 للميلاد، ووضع الأسس لحركة الترجمة والبحث العلمي في المنهج العقلاني والحوار الموضوعي.

وأضاف الداود -في تصريح للجزيرة نت- أن بيت الحكمة ازدهر في فترة تاريخية وصلت الحضارة العربية الإسلامية بحدودها من سمرقند في الشرق في وسط آسيا إلى المغرب على المحيط الأطلسي في الغرب.

شغفَ المأمون

كان الخليفة المأمون يتردد إلى بيت الحكمة بانتظام للتباحث مباشرة مع الخبراء والمستشارين في آخر ما انتهت إليه البحوث، وفي مسائل التمويل وسوى ذلك من مسائل ذات صلة.

ويقول حيدر التميمي إنه على امتداد 150 عاما، ترجم العرب كل كتب العلم والفلسفة اليونانية، وحلت العربية محل اليونانية كلغة عالمية للبحث العلمي، وغدا التعليم العالي أكثر تنظيما في أوائل القرن الثالث للهجرة/ التاسع الميلادي.

ويقول الداود -في حديثه للجزيرة نت- “كان هناك تبادل للعلماء والأدباء والشعراء داخل هذه الدولة المزدهرة التي ازدهرت في عاصمتها بغداد صناعة الورق الحديث الذي كانت بغداد تصدره الى أوروبا، وخصوصا إلى الفاتيكان والإدارات الأوربية، ولم يساهم بيت الحكمة مساهمة أساسية في دفع عجلة النهضة الأوروبية فحسب، بل كذلك في تأسيسها”.

البيت الإمبراطوري

لاستيعاب ضخامة العمل المطلوب لترجمة ونسخ ودراسة وخزن الحجم الضخم من المتون الفارسية والسنسكريتية واليونانية، أنشأ المنصور مكتبة ملكية على غرار تلك التي كانت لملوك الفرس العظام، فكان لبيت الحكمة دور مهم في رعاية الأعمال الأدبية العباسية.

وأشار التميمي -في حديثه للجزيرة نت- إلى أن الوفود العباسية غالبا ما كانت تنقل إلى البلاط البيزنطي المنافس طلبات للحصول على نسخ المتون اليونانية النفيسة، ونجحت في الحصول على أعمال لأفلاطون وأرسطو وأبُقراط وغالينوس وإقليدس، وسرعان ما انتشرت بين العرب -ثم اللاتين- نسخة من تحفة بطليموس في علم الفلك: كتاب “المجسطي”، وقيل إنَّ الحصول عليها كان من شروط الصلح بين القوتين العظميين.

شروحٌ ثاقبة

كان من أول إنجازات بيت الحكمة ترجمةُ عمل لأرسطو (322-384 ق.م) في المنطق، اختير خصيصا لتعزيز موقف علماء الدين العباسيين في مجابهة أتباع الديانات الأخرى المنافسة، فقد كان المسيحيون المستعربون، واليهود، والمانيون الفرس -بين سكان آخرين للإمبراطورية الإسلامية- كلهم بارعين في المجادلة الدينية، يمارسونها منذ قرون. وتبع ذلك سريعا ترجمات مهمة، وشروح ثاقبة، وبحوث أصيلة أغنت العلم القديم ووضعته في متناول العالم المعاصر.

وزاد التميمي بالقول: لم يكن الخلفاء وعلماؤهم الرسميون وحدهم فقط وراء هذه الحملة، فقد بات هذا المسعى سمة ملتصقة بالمجتمع العراقي بصورة عامة والبغدادي على وجه الخصوص، وحظي بدعم حماسي من النخبة الاجتماعية والسياسية، من علية الأمراء والتجار والمصرفيين والضباط العسكريين. حتى جواري الخلفاء عُرف عن بعضهن أنهن كن يتعاقدن أحيانا مع علماء لترجمات تخصصية.

من هنا ظهر بيت الحكمة كأول ساحة صراع كبرى بين موجبات العلوم الحديثة ومفهوم الإله الواحد في العصور الوسطى، الذي يشترك فيه المسلمون والنصارى واليهود.

ولا تزال مؤسسة بيت الحكمة تؤدي دورا ثقافيا كبيرا. وفيما يخص النشاطات والفعاليات العلمية وعن أبرز المشاريع التي نفذها بيت الحكمة بمختلف أقسامه خلال 2020، ذكر رئيس القسم الاقتصادي فيه الدكتور بلال كاظم الجوادي -في تصريح للجزيرة نت- أن أبرز أنشطة بيت الحكمة هي المؤتمرات والندوات والحلقات النقاشية وورشات العمل، فضلا عن الدوريات العلمية المحكمة التي تصدر عن كل قسم من أقسامه، وكذلك إعداد الدراسات الإستراتيجية بحسب الحاجة.

وأضاف “صدر عن قسم الدراسات الاقتصادية خلال هذا العام (2020) عدد من العناوين، كالأطروحة الدولية للتنمية المستدامة وضرورة النمو الاقتصادي، والجزء السابع من كتاب العراق تاريخ اقتصادي.

إحراق المكتبات

لكل بداية نهاية! تدهورت الأوضاع في نهايات الدولة العباسية بسبب ضعف خلفائها، وفي عام 656 للهجرة خبت بغداد وجاءها الغُزاة المغول خصوصا في الفترة الأولى (1258م) ومن ثم أيام تيمورلنك (1336- 1405م) الذي قام بتدمير معالم بغداد التراثية مرتين، الأولى عام 1392م والأخرى عام 1400م، حيث أخذ معه إلى سمرقند عددا من العلماء والمهندسين والمعماريين والأدباء.

وكان المغول يمسحون عن وجه بغداد كل شيء سوى الموت، ولم تُبقِ جيوش التتار في بغداد ولم تذر، فقد هاجموها من كل الجهات وقتلوا الناس ودمروا البيوت وأحرقوا المكتبات، وتحوّل بيت الحكمة وغيره من خزائن الكتب الخاصة والعامة في بغداد لخراب، وصبغت وثائق بيت الحكمة وكتبه مياه دجلة الذي تلوّن بلون بلون الحبر.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، ففي العصر الحديث وأثناء الغزو الأميركي للعراق عام 2003، تعرّض بيت الحكمة والمكتبات الملحقة به وسائر المؤسسات العلمية لعملية تدمير وحرق ونهب منظم لمحتوياته من الكتب والوثائق والمخطوطات النادرة.

الكلمات الدلالية
اقرأ ايضاً
اخر الحلقات