في واحدة من أغرب الحوادث بتاريخ الرياضة العالمية، تحوّل سباق ماراثون في الألعاب الأولمبية إلى مشهد فوضوي جمع بين التسمم والغش ومطاردة الكلاب والانهيارات الصحية، بعدما اضطر أحد المتسابقين إلى تناول مادة سامة لمواصلة الركض، بينما استخدم آخر سيارة للوصول إلى خط النهاية قبل منافسيه.
وقعت هذه الأحداث في 30 آب/أغسطس 1904، بمدينة سانت لويس الأميركية، خلال أول دورة ألعاب أولمبية تستضيفها الولايات المتحدة، ليصبح السباق واحداً من أكثر الأحداث إثارة للجدل في تاريخ الأولمبياد.
استضافت مدينة سانت لويس بولاية ميسوري الألعاب الأولمبية عام 1904، بالتزامن مع المعرض العالمي الذي أُقيم للاحتفال بالذكرى المئوية لصفقة شراء لويزيانا من فرنسا عام 1803.
وشهدت الدورة أحداثاً رياضية غير مألوفة، من بينها مشاركة لاعب الجمباز الأميركي جورج آيزر، الذي امتلك ساقاً صناعية خشبية، وتمكن رغم ذلك من إحراز ست ميداليات أولمبية، ثلاث منها ذهبية.
لكن أغرب أحداث الدورة كان سباق الماراثون، الذي سرعان ما تحوّل من منافسة رياضية إلى اختبار قاسٍ للتحمل، رافقته سلسلة من الوقائع التي بدت أقرب إلى مشاهد سينمائية.
انطلق الماراثون في ساعات العصر الحارة، بمشاركة 32 متسابقاً، على مسار بلغ طوله نحو 40 كيلومتراً، وسط درجات حرارة تجاوزت 30 درجة مئوية.
ولم تكن الطرق مهيأة لسباق بهذا الحجم، إذ امتلأت بالغبار والحجارة، وتخللتها مرتفعات شاقة، بينما تحركت عربات وسيارات مرافقة للمتسابقين، مثيرة سحباً كثيفة من الأتربة.
والأغرب أن المنظمين خصصوا نقطة رسمية واحدة فقط للحصول على مياه الشرب على طول المسار، في إطار توجه آنذاك لدراسة آثار الجفاف على الأداء البدني.
وجعلت هذه الظروف السباق شديد الخطورة، إذ تعرض عدد من العدائين للإرهاق والتقيؤ والجفاف، ولم يتمكن سوى 14 متسابقاً من إكماله.
كان بين المشاركين عداءان من جنوب إفريقيا، هما لين تاو ويان ماشياني، وكانا من أوائل الرياضيين الأفارقة السود الذين شاركوا في الألعاب الأولمبية الحديثة.
وجاء الاثنان إلى سانت لويس ضمن مشاركة مرتبطة بالمعرض العالمي، قبل أن ينضما إلى منافسات الماراثون.
وخلال السباق، تعرّض لين تاو لموقف غريب عندما طارده كلب ضال، ما أجبره على الابتعاد عن المسار لمسافة تقارب ميلاً واحداً، أي نحو 1.6 كيلومتر.
ورغم الحادثة، تمكن من إنهاء الماراثون في المركز التاسع، بينما حل زميله يان ماشياني في المركز الثاني عشر.
ومن أكثر شخصيات السباق غرابة العداء الكوبي فيليكس كاربخال، الذي جمع تبرعات لتمويل رحلته إلى الولايات المتحدة، لكنه خسر أمواله في القمار قبل وصوله إلى سانت لويس.
واضطر كاربخال إلى مواصلة رحلته بوسائل مختلفة، بينها المشي وطلب المساعدة من الآخرين للوصول إلى مقر السباق.
وحضر إلى خط الانطلاق مرتدياً ملابس غير مناسبة للجري، بينها سروال طويل، قبل أن يساعده أحد المشاركين على قصه لتسهيل حركته.
وخلال الماراثون، لم يتردد كاربخال في التوقف للتحدث مع المتفرجين، كما تناول حبات من الخوخ أثناء الركض.
ثم توقف قرب بستان ليأكل بعض التفاح الذي تبيّن أنه فاسد، ما تسبب له بتشنجات وآلام في المعدة، دفعته إلى الاستلقاء وأخذ قسط من الراحة.
ورغم كل ذلك، عاد إلى السباق وتمكن من إنهائه في المركز الرابع، في واحدة من أكثر المشاركات غرابة بتاريخ الماراثون الأولمبي.
لم تتوقف المفاجآت عند هذا الحد، إذ ارتكب العداء الأميركي فريد لورز واحدة من أشهر حوادث الغش في تاريخ الألعاب الأولمبية.
فبعد أن عانى تقلصات عضلية خلال السباق، توقف عن الركض واستقل سيارة قطعت به نحو 18 كيلومتراً من المسار، قبل أن يترجل منها ويستأنف الجري باتجاه الملعب.
ووصل لورز إلى خط النهاية قبل بقية المشاركين، وسط تصفيق الجماهير، وجرى التعامل معه في البداية باعتباره الفائز بالمركز الأول.
لكن سرعان ما انكشفت حقيقة ركوبه السيارة، ليقرر المنظمون استبعاده من النتائج.
ودافع لورز عن نفسه بالقول إنه لم يكن ينوي الحصول على اللقب بصورة غير مشروعة، وإن ما فعله كان مجرد مزحة.
ورغم استبعاده وعقوبته المؤقتة، عاد لاحقاً إلى المنافسات، وفاز بماراثون بوسطن عام 1905.
أما المفارقة الأكثر إثارة للدهشة، فكانت من نصيب العداء الأميركي توماس هيكز، الذي أصبح الفائز الرسمي بالسباق.
فخلال الكيلومترات الأخيرة، عانى هيكز إنهاكاً شديداً وجفافاً جعلاه عاجزاً تقريباً عن مواصلة الركض.
ولمساعدته على الاستمرار، أعطاه مرافقوه جرعات صغيرة من مادة الستركنين، وهي مادة سامة كانت تُستخدم آنذاك بجرعات محدودة بوصفها منشطاً، وتُعرف اليوم بخطورتها واستخدامها في بعض مبيدات القوارض.
كما قدموا له بياض البيض ومشروب البراندي الكحولي في محاولة لتنشيطه.
ومع اقترابه من خط النهاية، بدأت حالته الصحية تتدهور بصورة واضحة، حتى إنه أصبح يجد صعوبة في تحريك ساقيه، وظهرت عليه علامات إنهاك شديد واضطراب في الإدراك.
وساعده مرافقوه جسدياً على التقدم في الأمتار الأخيرة، قبل أن يعبر خط النهاية ويُعلن فائزاً بالماراثون.
وسجل هيكز زمناً بلغ 3 ساعات و28 دقيقة و53 ثانية، لكنه احتاج إلى رعاية طبية عقب السباق ليستعيد قدرته على الحركة بصورة طبيعية.
ولم تكن قوانين مكافحة المنشطات الحديثة قد وُضعت آنذاك، ولذلك لم تُعامل المواد التي تناولها وفق المعايير الرياضية المعمول بها اليوم.
شهد الماراثون كذلك حالات صحية خطيرة، أبرزها ما تعرض له العداء الأميركي ويليام غارسيا، الذي انهار على جانب الطريق بعدما استنشق كميات كبيرة من الغبار.
وتسببت حالته في نزيف داخلي خطير، وكاد يفقد حياته لولا تلقيه المساعدة الطبية.
كما انسحب العداء الأميركي جون لوردون نتيجة التقيؤ ومشكلات صحية أخرى، في حين عانى متسابقون آخرون تقلصات عضلية وإجهاداً شديداً.
وكشفت هذه الحوادث حجم المخاطر التي تعرض لها الرياضيون، في ظل سوء ظروف المسار ومحدودية المياه وافتقار التنظيم إلى إجراءات السلامة المعروفة حالياً.
أثارت الفوضى التي شهدها سباق سانت لويس جدلاً واسعاً، ودفعت بعض المسؤولين الرياضيين إلى التشكيك في ملاءمة الماراثون للمنافسات الأولمبية.
فقد بدا السباق، في نظر منتقديه، بعيداً عن المنافسة العادلة والمنظمة، بعدما جمع بين الغش واستخدام مواد منشطة خطرة والانهيارات الجسدية المتكررة.
ورغم الدعوات إلى إعادة النظر في مستقبل هذه المسابقة، استمر الماراثون ضمن الألعاب الأولمبية، وشهدت قواعد تنظيمه وإجراءاته الصحية تطورات كبيرة خلال العقود اللاحقة.
وبقي ماراثون سانت لويس عام 1904 شاهداً على مرحلة مختلفة من تاريخ الرياضة، عندما كانت حدود التحمل البدني تُختبر بطرق قد تعرض حياة الرياضيين للخطر.
وبعد أكثر من قرن، لا يزال هذا السباق يُذكر بوصفه واحداً من أغرب الماراثونات الأولمبية، إذ وصل أحد المشاركين بالسيارة، وتناول آخر مادة سامة ليواصل الركض، بينما أنهى عداء كوبي السباق رغم تناوله فاكهة فاسدة، وطارد كلب أحد المتنافسين خارج المسار.