من سنن الله تعالى في عباده أن يبتليهم بأنواع الشدائد والمحن؛ ليميز الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق، والطيب من الخبيث، قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} (العنكبوت: 2-3).
تُعد غزوة الأحزاب، أو غزوة الخندق، من أعظم مواطن الابتلاء التي مر بها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام. فقد تجمعت قريش وغطفان وبنو سليم وغيرهم في جيش بلغ قوامه نحو عشرة آلاف مقاتل بقيادة أبي سفيان، بهدف القضاء على المسلمين في المدينة المنورة.
وجاءت هذه الحملة بتحريض من يهود بني النضير، الذين أجلاهم المسلمون إلى خيبر بعد خيانتهم ومحاولتهم اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم، فدفعهم الحقد إلى جمع الأحزاب ضد المسلمين.
عندما وصلت الأخبار إلى النبي صلى الله عليه وسلم باقتراب الأحزاب، جمع المهاجرين والأنصار للتشاور في كيفية الدفاع عن المدينة. وأشار سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر خندق في الجهة الشمالية، وهي الجهة المكشوفة التي يمكن أن يتقدم منها العدو، فأُعجب النبي صلى الله عليه وسلم بالفكرة وأمر بتنفيذها.
شارك النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه في الحفر ونقل التراب، رغم شدة البرد وقلة الطعام، مما رفع معنويات الصحابة. واستغرق إنجاز الخندق نحو عشرين يومًا، كما نُظمت الحراسة، وأُمِّن النساء والصبيان داخل أحد الحصون.
عندما وصلت الأحزاب إلى المدينة فوجئت بالخندق، فعجزت عن اقتحامها، وفرضت حصارًا استمر قرابة ثلاثة أسابيع، عانى خلاله المسلمون الجوع والبرد وشدة الخوف، كما نقض يهود بني قريظة عهدهم، وأظهر المنافقون نفاقهم وبثوا الشائعات بين المسلمين.
ووصف القرآن الكريم تلك اللحظات بقوله تعالى: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} (الأحزاب: 10-11).
اشتد البلاء حتى رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه إلى السماء داعيًا: «اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم».
فاستجاب الله سبحانه وتعالى دعاء نبيه، فأرسل ريحًا عاتية وجنودًا من عنده، وألقى الرعب في قلوب الأحزاب، فتفرق جمعهم وعادوا إلى ديارهم مهزومين، وانتهى الحصار دون أن يتمكنوا من تحقيق أهدافهم.
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} (الأحزاب: 9).
انتشرت رواية تزعم أن صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها طلبت من حسان بن ثابت رضي الله عنه قتل يهودي كان يطوف حول الحصن، فامتنع عن ذلك، ثم قامت هي بقتله.
إلا أن أهل العلم أكدوا أن هذه الرواية لا تثبت من جهة الإسناد، فهي ضعيفة أو منقطعة، ولا يصح الاستدلال بها للطعن في الصحابي الجليل حسان بن ثابت رضي الله عنه.
كما أوضح العلماء أنه حتى لو ثبتت الرواية، فإنها لا تدل على الجبن، إذ لم يرد فيها سبب امتناعه، وقد يكون لعذر أو مرض أو غير ذلك. ويؤكد هذا أن الشعراء الذين كانوا يهاجونه لم يصفوه يومًا بالجبن، ولو ثبت عنه ذلك لاتخذوه وسيلة للطعن فيه.
وقد نقل المبرَّد عن الأصمعي أن عدم تعيير خصومه له بالجبن دليل على بطلان هذه الدعوى، كما رجح السهيلي وابن عبد البر ضعف الرواية، وأكدا أن حملها على الجبن غير صحيح.
وأشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن وصف الصحابة بالجبن يعد من السب الذي يستوجب التأديب والتعزير، وإن لم يصل إلى حد التكفير.
رغم أن غزوة الأحزاب لم تشهد قتالًا واسعًا، فإنها كانت من أكثر المعارك حسمًا في تاريخ الإسلام، إذ تحولت بعدها موازين القوة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الآن نغزوهم ولا يغزونا، نحن نسير إليهم».
وتبقى هذه الغزوة مدرسة عظيمة في الصبر والثبات، والإعداد، والأخذ بالأسباب، واليقين بوعد الله تعالى، وأن النصر يأتي بعد الابتلاء، كما أنها تؤكد أهمية دراسة السيرة النبوية لاستلهام الدروس في مواجهة التحديات، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام حتى نصرهم الله وأيدهم على أعدائهم.