قد يبدو اختفاء فصل الصيف سيناريو خياليًا، لكن سكان مناطق واسعة من النصف الشمالي للكرة الأرضية عاشوا تجربة قريبة من ذلك بالفعل قبل أكثر من قرنين، عندما جاء صيف عام 1816 محملًا بالبرد والأمطار وحتى الثلوج.
ففي الأشهر التي كان يُفترض أن تشهد ارتفاعًا في درجات الحرارة، تساقطت الثلوج في مناطق من الولايات المتحدة وشمال أوروبا، فيما شهدت القارة الأوروبية أمطارًا غزيرة وطقسًا باردًا وأيامًا قاتمة، بحسب تقرير لموقع “روسيا اليوم”.
وكانت الظاهرة استثنائية إلى درجة أن عام 1816 دخل التاريخ في أوروبا وأميركا الشمالية باسم “عام بلا صيف”.
لم يكن ما حدث مجرد انخفاض عابر في درجات الحرارة، بل اضطرابًا مناخيًا واسع النطاق غيّر ملامح الصيف في مناطق مختلفة من العالم.
وكتب جون كوينسي آدامز، الذي أصبح لاحقًا رئيسًا للولايات المتحدة وكان حينها سفيرًا في لندن، في مذكراته أنه لم يتمكن من مغادرة المنزل في أوائل يوليو بسبب الأمطار الغزيرة المصحوبة بالرعود.
وفي الوقت الذي عانت فيه أجزاء واسعة من النصف الشمالي للكرة الأرضية من البرد غير المعتاد، كانت درجات الحرارة في الإمبراطورية الروسية أعلى من المعتاد.
أما في آسيا، فقد أدى الانخفاض العالمي في درجات الحرارة إلى اضطراب موسم الرياح الموسمية، ما تسبب في حدوث الجفاف.
ظل السبب وراء البرد الشديد الذي اجتاح مناطق واسعة من العالم عام 1816 لغزًا لفترة طويلة.
ولم يبدأ العلماء في ربط الظاهرة بأحد أعنف الانفجارات البركانية المسجلة إلا في عام 1920، عندما افترض العالم الأميركي ويليام همفريز أن “عام بلا صيف” كان مرتبطًا بثوران بركان جبل تامبورا في إندونيسيا.
وكان البركان، الواقع في جزيرة سومباوا، قد بدأ ثورانه الهائل في أبريل 1815، أي قبل نحو عام من الصيف الاستثنائي.
كان ثوران تامبورا بالغ القوة، واستمر نشاط البركان على مدى أربعة أشهر.
وقدّر العلماء قوة الثوران بالمستوى السابع على مقياس الانفجارات البركانية، ليصبح واحدًا من أعنف الثورات البركانية المعروفة.
وأسفرت الكارثة عن مقتل أكثر من 70 ألف شخص، وفق الأرقام الواردة في التقرير، في واحدة من أكثر الكوارث البركانية فتكًا بالبشر.
لكن آثار البركان لم تتوقف عند المناطق المحيطة به، بل امتدت إلى الغلاف الجوي وأثرت في المناخ على مسافات شاسعة.
أطلق ثوران تامبورا كميات هائلة من المواد البركانية إلى الغلاف الجوي، قُدرت بنحو 150 كيلومترًا مكعبًا، فيما وصل عمود الرماد إلى ارتفاع يقارب 40 كيلومترًا.
وحملت الرياح جزءًا من المواد الناتجة عن الثوران إلى طبقة الستراتوسفير، حيث ساهم وجودها في الحد من كمية أشعة الشمس التي تصل إلى سطح الأرض.
وكانت النتيجة انخفاض درجات الحرارة واضطراب أنماط الطقس في مناطق مختلفة من العالم.
تكشف قصة “عام بلا صيف” كيف يمكن لحدث طبيعي يقع في منطقة محدودة جغرافيًا أن يترك تأثيرات تمتد إلى مناطق تبعد آلاف الكيلومترات.
فثوران بركان في جزيرة إندونيسية عام 1815 ارتبط لاحقًا بصيف استثنائي عاشته مناطق من أوروبا وأميركا الشمالية وآسيا في العام التالي.
وهكذا دخل عام 1816 التاريخ باعتباره “عامًا بلا صيف”، بعدما وجد سكان مناطق واسعة أنفسهم أمام مشهد غير مألوف: برد وأمطار وثلوج في أشهر كان يفترض أن تكون الأكثر دفئًا في السنة.