الوضع الداكن
تاريخ - حرب الإيمو العظمى.. قصة المواجهة التي عجز فيها الجيش الأسترالي عن هزيمة الطيور
نشر بتاريخ 2026/10/08 4:55 مساءً
1 مشاهدة

في واحدة من أغرب الوقائع العسكرية في التاريخ، وجد الجيش الأسترالي نفسه عام 1932 في مواجهة غير مألوفة مع آلاف الطيور التي اجتاحت حقول القمح غرب البلاد. ورغم استخدام المدافع الرشاشة وإطلاق آلاف الطلقات، لم تنجح العملية العسكرية في القضاء على المشكلة، لتدخل الواقعة كتب التاريخ باسم «حرب الإيمو العظمى»، وتتحول إلى قصة تُروى بسخرية عن جيش عجز عن الانتصار على طيور لا تستطيع الطيران.


تابعونا على التليكرام


من الحرب العالمية الأولى إلى مواجهة الطيور

تعود جذور القصة إلى السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، عندما عاد عدد من الجنود الأستراليين إلى بلادهم بعد المشاركة في القتال إلى جانب قوات الحلفاء.

واتجه بعض هؤلاء المحاربين القدامى إلى الزراعة، مستفيدين من برامج الاستيطان الزراعي التي أتاحت لهم الحصول على أراضٍ في ولاية أستراليا الغربية.

ومع اندلاع الكساد الكبير عام 1929 وما رافقه من تراجع اقتصادي وانخفاض أسعار المحاصيل، أصبحت زراعة القمح مصدر رزق بالغ الأهمية لهؤلاء المزارعين.

لكنهم سرعان ما واجهوا مشكلة غير متوقعة، لم تكن مرتبطة بالطقس أو الأسعار فحسب، بل بآلاف الطيور الضخمة التي بدأت تتوافد إلى أراضيهم.

20 ألف طائر إيمو تجتاح حقول القمح

خلال عام 1932، اتجهت أعداد كبيرة من طيور الإيمو إلى المناطق الزراعية غرب أستراليا، في إطار تحركاتها الموسمية بحثاً عن الغذاء والمياه.

ويُقدر عدد الطيور التي وصلت إلى المنطقة بنحو 20 ألف طائر، تسببت في إتلاف مساحات من حقول القمح وإلحاق خسائر بالمزارعين.

ولم تقتصر المشكلة على تناول المحاصيل، إذ أدت حركة الطيور وأقدامها القوية إلى تخريب الأسوار وإلحاق المزيد من الأضرار بالمزارع.

وأمام تفاقم الخسائر، لجأ المزارعون، وبينهم محاربون سابقون، إلى الحكومة الأسترالية مطالبين بتدخل الجيش واستخدام الأسلحة الرشاشة للحد من أعداد الطيور.

واستجاب وزير الدفاع الأسترالي آنذاك، السير جورج بيرس، للطلب، ووافق على إرسال مجموعة عسكرية صغيرة بقيادة الرائد جورج ميريديث، مزودة بمدفعين رشاشين من طراز «لويس» ونحو 10 آلاف طلقة.

بداية حرب الإيمو.. المدافع الرشاشة تواجه الطيور

في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر 1932، بدأت العملية العسكرية رسمياً في منطقة كامبيون بأستراليا الغربية.

وكانت الخطة تقوم على استهداف مجموعات الإيمو التي تتجمع في الأراضي الزراعية، باستخدام المدافع الرشاشة لتقليص أعدادها وحماية المحاصيل.

لكن المحاولة الأولى كشفت عن صعوبة المهمة، إذ عثر الجنود على مجموعة تضم نحو 50 طائراً، وحاولوا جمعها في منطقة محددة لتسهيل استهدافها.

غير أن الطيور تفرقت بسرعة إلى مجموعات صغيرة، ما صعّب إصابتها وأفشل محاولة القضاء عليها دفعة واحدة.

وفي الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر، نصب الجنود كميناً بالقرب من أحد مصادر المياه، بعدما رصدوا نحو ألف طائر تتجه إلى المكان.

وانتظر الجنود اقتراب الطيور قبل فتح النار، لكن المدفع الرشاش تعرض لعطل بعد مقتل نحو 12 طائراً، بينما تمكنت بقية الطيور من الفرار.

وتكررت الصعوبات بسبب سرعة الإيمو وقدرتها على الانتشار في مساحات واسعة، فضلاً عن التضاريس التي أعاقت حركة الجنود ومعداتهم.

آلاف الطلقات ونتائج مخيبة للآمال

بحلول الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر، كانت القوات الأسترالية قد أطلقت نحو 2500 طلقة، من دون تحقيق نتائج تتناسب مع حجم الذخيرة المستخدمة.

وحاول الجنود تطوير أساليبهم، حتى إنهم ثبتوا أحد المدافع الرشاشة على مركبة لملاحقة الطيور، لكن وعورة الأرض وسرعة الإيمو جعلتا الخطة غير فعالة.

وبدلاً من تحقيق نجاح سريع، تحولت العملية إلى مادة للسخرية في الصحافة الأسترالية، خصوصاً بعد انتشار التقارير التي تحدثت عن عجز الجنود عن السيطرة على الطيور.

وأثار الأمر انتقادات سياسية داخل البرلمان الأسترالي، دفعت وزير الدفاع إلى وقف العملية وسحب القوات في الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر.

الجيش الأسترالي ينسحب ثم يعود مجدداً

لم ينهِ انسحاب الجنود المشكلة، فقد واصلت طيور الإيمو إتلاف المحاصيل الزراعية، ما دفع المزارعين إلى تجديد مطالباتهم بالتدخل العسكري.

واستجابت السلطات لهذه المطالب، ووافقت على استئناف العملية، لتعود القوات إلى الميدان في 13 تشرين الثاني/نوفمبر 1932.

وحققت الحملة الثانية نتائج أفضل نسبياً، بعدما عدّل الجنود أساليبهم في التعامل مع الطيور، لكن الصعوبات استمرت نتيجة سرعة حركتها وانتشارها في مجموعات متفرقة.

واستمرت العملية حتى العاشر من كانون الأول/ديسمبر، عندما جرى استدعاء الرائد ميريديث وإنهاء المشاركة العسكرية.

كم طائراً قُتل في حرب الإيمو العظمى؟

بحسب التقرير الذي قدمه قائد العملية، أطلقت القوات الأسترالية نحو 9860 طلقة، مقابل تسجيل مقتل 986 طائر إيمو بصورة مؤكدة.

وهذا يعني استخدام عشر طلقات تقريباً مقابل كل طائر قُتل، وفق الأرقام العسكرية المعلنة.

ورغم تسجيل هذا العدد من الطيور النافقة، فإن النتيجة لم تكن كافية للقضاء على المشكلة الزراعية بصورة نهائية، خصوصاً في ظل وجود آلاف الطيور الأخرى.

وأصبحت العملية لاحقاً رمزاً للإخفاق في التعامل مع مشكلة بيئية وزراعية باستخدام القوة العسكرية.

ومن المهم الإشارة إلى أن وصف ما حدث بأنه «هزيمة عسكرية» هو تعبير ساخر شائع، وليس نتيجة حرب تقليدية بين جيشين.

كيف انتهت أزمة الإيمو في أستراليا؟

بعد انتهاء العملية العسكرية، استمرت السلطات في البحث عن وسائل أخرى للحد من الأضرار التي تسببها الطيور.

وشملت الإجراءات الاعتماد على المكافآت المالية مقابل صيد الإيمو، إلى جانب تطوير الأسوار والحواجز لحماية الأراضي الزراعية.

ومع مرور الوقت، أصبحت الأسوار واحدة من الوسائل المهمة لتقليل وصول الطيور إلى المحاصيل، بعيداً عن فكرة الاعتماد على الجيش والمدافع الرشاشة.

لماذا تُعد حرب الإيمو من أغرب أحداث التاريخ؟

لم تكن حرب الإيمو حرباً بالمعنى العسكري التقليدي، بل عملية لمكافحة طيور كانت تتسبب بخسائر اقتصادية للمزارعين.

لكن المفارقة أن استخدام الجنود المحترفين والمدافع الرشاشة ضد طيور لا تطير لم يؤدِ إلى تحقيق الهدف المنشود بصورة حاسمة.

ولهذا بقيت الواقعة حاضرة في الذاكرة التاريخية، وأصبحت تُعرف شعبياً بأنها «الحرب التي انتصرت فيها الطيور على الجيش الأسترالي».

وهكذا تحولت حملة عسكرية لحماية حقول القمح إلى واحدة من أكثر القصص التاريخية غرابة، لتؤكد أن امتلاك السلاح الأقوى لا يعني بالضرورة امتلاك الحل الأفضل.

الكلمات الدلالية
مقالات ذات صلة
اقرأ ايضاً
اخر الحلقات