الوضع الداكن
ثقافة - لماذا لا يزال صوت المنشاوي يأسر الملايين بعد أكثر من نصف قرن؟
نشر بتاريخ 2026/06/09 11:38 مساءً
1 مشاهدة

لم يكن ما بثته إذاعة القرآن الكريم المصرية مطلع يونيو/حزيران الجاري مجرد تسجيلات قديمة أُخرجت من الأرشيف، بل بدا وكأنه اكتشاف جديد لصوت ظل حاضراً في وجدان الملايين رغم رحيل صاحبه منذ عقود.

فمع بدء الإذاعة بث ختمة مرتلة نادرة للقارئ المصري الراحل محمد صديق المنشاوي، تصدرت التلاوات الجديدة منصات التواصل الاجتماعي في مصر، وبقي اسم الشيخ ضمن الأكثر تداولاً لأيام متتالية، متفوقاً على أحداث رياضية وإخبارية بارزة، في مشهد أعاد طرح تساؤل قديم حول سر استمرار تأثير هذا الصوت بعد أكثر من نصف قرن.

تسجيلات أعيدت بإرادة المنشاوي

تعود القصة إلى ستينيات القرن الماضي، عندما سجل الشيخ محمد صديق المنشاوي مصحفاً مرتلاً كاملاً لصالح إذاعة القرآن الكريم.

ورغم إجازة لجنة المراجعة للختمة وإشادتها بها، لم يكتفِ المنشاوي بالنتيجة النهائية، إذ رأى بعد استماعه إلى التسجيلات أن بعض الأشرطة لا ترقى إلى المستوى الذي كان يطمح إليه، فتقدم بطلب رسمي لإعادة تسجيل أجزاء منها.

وفي خطوة تعكس حرصه الشديد على الإتقان، تكفل الشيخ شخصياً بنفقات إعادة التسجيل، ليعيد تسجيل 32 شريطاً من أصل 82 شريطاً ضمت الختمة الكاملة. وبعد انتهاء العمل، اعتمدت اللجنة النسخة الجديدة رسمياً عام 1967.

لكن هذه النسخة لم تُتح للجمهور آنذاك، وظلت محفوظة داخل أرشيف الإذاعة لعشرات السنين قبل أن ترى النور أخيراً.

تساؤلات حول الأرشيف

ويرى الشيخ أحمد عيسى المعصراوي، شيخ عموم المقارئ المصرية السابق، أن ظهور هذه التسجيلات بعد كل هذه السنوات يثير تساؤلات يصعب تجاهلها.

وقال المعصراوي إن المنشاوي لم يطلب إعادة التسجيل عبثاً، بل سعياً للوصول إلى مستوى أعلى من الأداء، مؤكداً أن الشيخ “وفق في الأشرطة التي أعاد تسجيلها”.

وأضاف أنه استمع إلى النسخة الجديدة بنفسه، ولاحظ فيها “حناناً وروحانيات صوتية” تختلف عن الختمة التي اعتاد الجمهور سماعها طوال العقود الماضية.

وأوضح أن الفروق بين النسختين واضحة، مشيراً إلى أن التسجيلات الجديدة تتميز بلمعان الصوت وقوة الأداء وجمال النبرة والروحانية العالية، وهي عناصر تظهر بوضوح عند المقارنة بين النسختين.

لماذا بقيت مخفية؟

وأبدى المعصراوي استغرابه من بقاء هذه التسجيلات بعيدة عن الجمهور طوال ما يقارب ستة عقود، متسائلاً: إذا كانت الإذاعة قد استجابت لطلب المنشاوي وأُقرت النسخة الجديدة رسمياً، فما السبب وراء عدم بثها طوال تلك السنوات؟

وأشار إلى أن هذا السؤال يفتح الباب أمام احتمالات وجود تسجيلات أخرى نادرة لا تزال محفوظة داخل الأرشيف ولم تُكشف بعد.

كما كشف أنه سمع سابقاً بعض التسجيلات غير المتداولة للمنشاوي، ووصلته قبل سنوات أجزاء من الختمة التي بدأت الإذاعة بثها أخيراً، ما يشير إلى أن بعض محتوياتها كانت متداولة ضمن نطاق محدود.



                                         تابعونا على التليكرام



تسجيلات أخرى مجهولة

وربط المعصراوي ما حدث بقضايا مشابهة في أرشيف الإذاعة المصرية، مستشهداً بالقارئ الراحل محمود خليل الحصري، الذي سجل ختمات بروايات الدوري عن أبي عمرو وورش وقالون خلال عامي 1963 و1964، لكنها لم تُذع للجمهور إلا عام 2001.

وأضاف أنه اطلع أخيراً على منشورات لفادية، ابنة الشيخ المنشاوي، تحدثت فيها عن قرب إذاعة ختمات أخرى نادرة لوالدها بروايات شعبة عن عاصم وورش عن نافع والدوري عن أبي عمرو، وهي تسجيلات لم تكن معروفة على نطاق واسع من قبل.

سر القبول الاستثنائي

ولا يقتصر الاهتمام بهذه الختمة على ندرتها فحسب، بل يمتد إلى المكانة الخاصة التي يحتفظ بها الشيخ محمد صديق المنشاوي لدى ملايين المستمعين.

وبحسب المعصراوي، فإن المنشاوي جمع بين جودة الأداء، ودقة الضبط، والإتقان، وجمال الصوت، والروحانية العميقة، وهي صفات نادراً ما تجتمع في قارئ واحد.

وأضاف أن هناك “روحاً قرآنية” خاصة في تلاوة المنشاوي، تمنح صوته تأثيراً استثنائياً لا يزال حاضراً حتى اليوم، مشيراً إلى أن السنوات الأخيرة أثبتت استمرار هذا القبول الواسع، إذ لا يكاد يخلو مكان من تلاواته.

وعندما سُئل عن أقرب الأصوات إلى قلبه بين كبار القراء المصريين، أجاب دون تردد: “الشيخ المنشاوي”، معتبراً أن صوته جمع بين الإتقان الفني والروحانية التي تلامس القلوب قبل الآذان.

اقرأ ايضاً
اخر الحلقات