تعد البيتزا واحدة من أكثر الوجبات السريعة شعبية حول العالم، إذ تحضر على الموائد في المنازل والمطاعم والأكشاك المنتشرة على جوانب الشوارع. وتُقدَّر مبيعات البيتزا في الولايات المتحدة بنحو 3 مليارات بيتزا سنويًا، أي ما يعادل نحو 46 شريحة لكل فرد.
لكن قصة صعود هذه الوجبة البسيطة إلى مكانتها العالمية الحالية تكشف جانبًا لافتًا من تاريخ الهجرة والاقتصاد والتغيرات التكنولوجية التي أسهمت في انتشارها وتطورها.
تابعونا على التليكرام
البداية من نابلي
نشأت البيتزا في مدينة نابولي خلال أواخر القرن الثامن عشر، عندما ازدهرت المدينة وأصبحت مركزًا للتجارة الخارجية، ما أدى إلى توافد الفلاحين إليها وارتفاع عدد سكانها بصورة ملحوظة.
ومع هذا النمو السريع، ازداد عدد الفقراء الذين كانوا بحاجة إلى طعام سريع التحضير ومنخفض التكلفة، فوجدوا في البيتزا خيارًا مثاليًا. وكان الباعة الجائلون يعرضونها على هيئة شرائح تُقطع وفق طلب الزبائن، بما يتناسب مع إمكاناتهم المادية المختلفة.
وكانت تلك الفطائر تُحضَّر من مكونات بسيطة، أبرزها العجين المصنوع من الماء والطحين، إلى جانب الطماطم الطازجة وزيت الزيتون وبعض الأعشاب، مثل الريحان، ما جعلها وجبة محببة بفضل مذاقها وسعرها المناسب.
وتُعد بيتزا نابوليتان الأصلية الأساس الأول للبيتزا الحديثة، ولا تزال تُحضَّر حتى اليوم بالطريقة التقليدية، إذ تُخبز في أفران تقليدية بدرجات حرارة مرتفعة، باستخدام مكونات طازجة وعالية الجودة تمنحها مذاقها المميز.
من طعام الفقراء إلى موائد الملوك
لفترة طويلة، امتدت من القرن الثامن عشر حتى أواخر القرن التاسع عشر، كانت البيتزا تُعد طعامًا للفقراء في نابولي، ولم تحظَ بتقدير النخبة، بل وصفها بعض الزوار الأجانب بأنها “مقززة”. كما تجاهلت كتب طبخ ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر ذكرها، في انعكاس للنظرة السلبية التي كانت سائدة تجاهها آنذاك.
إلا أن هذه النظرة بدأت تتغير عام 1889، عندما زار الملك أومبرتو الأول والملكة مارغريتا مدينة نابولي. وبعد أن شعرت الملكة بالملل من الأطباق الفرنسية المعقدة، استُدعي الطاهي النابوليتاني رافاييل إسبوزيتو لإعداد أطباق محلية لها.
وحضّر إسبوزيتو بيتزا مكونة من الطماطم والموزاريلا والريحان، في مزيج يمثل ألوان العلم الإيطالي. ونالت إعجاب الملكة، ليُطلق عليها اسم “بيتزا مارغريتا” تكريمًا لها.
وأسهمت هذه اللفتة في تحول مكانة البيتزا، إذ منحتها موافقة الملكة شرعية جديدة، فلم تعد مجرد طعام للفقراء، بل أصبحت طبقًا يمكن أن يجد طريقه إلى موائد العائلة المالكة.
الهجرة تنقل البيتزا خارج نابولي
لم تغادر البيتزا نابولي سريعًا، وكان للهجرة الدور الأبرز في انتشارها. فمع انتقال أعداد متزايدة من سكان المدينة إلى شمال إيطاليا بحثًا عن فرص العمل، حملوا معهم عاداتهم وأطباقهم التقليدية.
وهكذا بدأت البيتزا تنتشر تدريجيًا خارج حدود نابولي، لتصبح جزءًا أساسيًا من المطبخ الإيطالي، قبل أن تتحول لاحقًا إلى رمز وطني وأحد أشهر الأطباق انتشارًا في العالم.
البيتزا تهاجر غربًا
عندما هاجر سكان نابولي إلى الولايات المتحدة، حملوا معهم شغفهم بالبيتزا إلى شوارع نيويورك وبوسطن وشيكاغو وسانت لويس ومدن أميركية أخرى.
وكان هؤلاء المهاجرون قد قدموا للعمل في المصانع، مثل ملايين الأوروبيين الآخرين خلال أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ولم يكن هدفهم نشر مطبخهم، إلا أن روائح البيتزا بدأت تلفت انتباه غير الإيطاليين وتثير فضولهم.
ومع توسع وجود الإيطاليين الأميركيين من المدن إلى الضواحي، ومن شرق البلاد إلى غربها، ولا سيما بعد الحرب العالمية الثانية، ازدادت شعبية البيتزا في أنحاء الولايات المتحدة، ولم تعد طعامًا “عرقيًا” حصرًا، بل تحولت إلى وجبة سريعة محبوبة لدى شرائح واسعة من المجتمع.
كما ظهرت أصناف أميركية جديدة، من بينها بيتزا كاليفورنيا، المعروفة بإضافاتها المتنوعة التي تمتد من الدجاج المشوي إلى السلمون المدخن، ما أضاف أبعادًا جديدة إلى مفهوم البيتزا بعيدًا عن جذورها النابوليتانية.
أشهر أنواع البيتزا
اكتسبت البيتزا شعبية هائلة في الولايات المتحدة بالتزامن مع توسع سلاسل المطاعم وانتشار العولمة، لتصبح وجبة عالمية بامتياز.
وساعدت مرونتها على التكيف مع الثقافات والمناطق المختلفة في ظهور أنواع جديدة تعكس طبيعة المكونات والنكهات المحلية.
بيتزا نابوليتان: تُعد من الأنواع الأصلية، وتتميز بقوامها الطري ورائحتها الغنية، إذ تُخبز في فرن خشبي بدرجة حرارة مرتفعة، وتُحضّر باستخدام مكونات بسيطة وطازجة، مثل الطماطم وجبن البافلو موتزاريلا.
بيتزا مارغريتا: تطورت من البيتزا النابوليتانية، وتُعد اليوم من أشهر أنواع البيتزا عالميًا، وتعتمد على الطماطم والموتزاريلا والريحان، التي تعكس ألوان العلم الإيطالي.
بيتزا نيويورك: تتميز بعجينتها الرقيقة والمقرمشة، وتُضاف إليها كمية كبيرة من الصلصة والجبن، وغالبًا ما تُباع بالشرائح، ما يجعلها مناسبة للأكل السريع.
بيتزا شيكاغو “ديب دش” (Deep Dish): تتميز بسُمكها الشبيه بالفطائر، وتحتوي على طبقات متعددة من الجبن والصلصة ومكونات أخرى، وتُعد من الأطباق المشبعة والمحبوبة في مدينة شيكاغو.
بيتزا كاليفورنيا: تعتمد على مكونات غير تقليدية، مثل الخرشوف والجوز وحتى الفواكه، وتعكس تنوع المكونات المتاحة في المطبخ الكاليفورني.
بيتزا البحر المتوسط: تتأثر بمكونات مطابخ حوض البحر المتوسط، وتعتمد على زيت الزيتون والأعشاب الطازجة والخضراوات المختلفة، مثل الزيتون والطماطم المجففة.
وتستمر هذه الأنواع في جذب عشاق الطعام حول العالم، لتصبح البيتزا مزيجًا بين الأصالة والابتكار، بعد أن تطورت على مر الزمن إلى رمز للطعام السريع والمتنوع.
البيتزا الصحية.. خيارات أكثر توازنًا
استجابة للاتجاه المتزايد نحو التغذية الصحية، تطورت البيتزا لتشمل خيارات تتناسب مع الأنظمة الغذائية المتوازنة.
عجينة الحبوب الكاملة: تُصنع باستخدام دقيق القمح الكامل بدلًا من الدقيق الأبيض المكرر، ما يزيد نسبة الألياف ويمنح شعورًا بالشبع لمدة أطول، كما يساعد على استقرار مستويات السكر في الدم.
الصلصات الطبيعية: تعتمد على الطماطم الطازجة والريحان وزيت الزيتون بدلًا من الصلصات المعالجة التي تحتوي على السكريات والمواد الحافظة.
إضافات غنية بالعناصر الغذائية: تشمل الخضراوات الطازجة مثل السبانخ والفلفل الحلو والفطر، باعتبارها مصادر للفيتامينات والمعادن، إلى جانب البروتينات مثل الدجاج المشوي أو التونة.
الجبن قليل الدسم: يمكن استخدام جبن الموتزاريلا قليل الدسم أو جبن الريكوتا بدلًا من الأنواع الدسمة، لتقليل نسبة الدهون وجعل البيتزا خيارًا أخف.
وتشكّل هذه الخيارات توازنًا بين المذاق والقيمة الغذائية، ما يجعل البيتزا وجبة قابلة للتكيف مع مختلف الأذواق، سواء لعشاق الأنواع الكلاسيكية أو المهتمين بخيارات غذائية أكثر توازنًا.

