مشهد تاريخي من مصر القرن الخامس عشر
يصف الإمام ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ/1448م) في كتابه إنباء الغُمَر بأبناء العُمر أزمة غذائية خانقة ضربت مصر عام 818هـ/1415م، حين تزاحم الناس على الأفران حتى أُغلقت، وفُقد القمح من الأسواق، وارتفعت الأسعار بشكل غير مسبوق.
ويُبرز ابن حجر البعد النفسي في الأزمات، إذ تحوّل الخوف من فقدان الخبز إلى دافع للتخزين المفرط، بينما عمّ الاحتكار من قبل أصحاب النفوذ، فاجتمع على الناس “ثالوث الشر”: الغلاء، الوباء، وجور الأمراء.
الأمن الغذائي… تحدٍ قديم متجدد
يُعد توفير الغذاء لشعوب الدول التحدي الأكبر قديمًا وحديثًا، إذ كان غيابه سببًا رئيسيًا في اضطرابات سياسية واجتماعية أدت أحيانًا إلى سقوط أنظمة ودول، وتحولها إلى ما يُعرف اليوم بـ”الدول الفاشلة”.
تجربة النبي ﷺ مع الحصار الاقتصادي
منذ فجر الإسلام، عرف المسلمون سلاح المقاطعة الاقتصادية. فقد فرضت قريش حصارًا على بني هاشم في “شِعب أبي طالب”، فمُنع عنهم البيع والشراء، حتى أصابتهم المجاعة. وانتهى الحصار بمبادرة من بعض عقلاء قريش الذين مزقوا الصحيفة الجائرة.
تابعونا على التليكرام
حصار معاكس لقريش
لاحقًا، في العام السابع للهجرة، مارس المسلمون مقاطعة مماثلة على قريش، حين أعلن الزعيم ثُمامة بن أثال –بعد إسلامه– منع إرسال القمح من اليمامة إلى مكة، مؤكدًا: “والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي ﷺ”.
وقد نفّذ تهديده، حتى اضطرت قريش إلى الاستغاثة بالنبي ﷺ، الذي أوعز إلى ثمامة برفع الحصار رحمةً بأهل مكة.
دروس من الأزمات الغذائية
يروي التاريخ أن العديد من الدول الإسلامية الكبرى –كالإخشيدية والبويهية والفاطمية والمملوكية– عانت أزمات غذاء كانت مدخلًا لتفككها أو تعرضها لهجمات خارجية، مثل الحروب الصليبية أو الغزو المغولي.
كما لم يغفل المؤرخون عن رصد آثار الاحتكار والغلاء، التي لم تقتصر على الاقتصاد، بل طالت الأخلاق العامة والسلوكيات الاجتماعية، محدثة تحولات جذرية في بنية المجتمعات.

