للشهر الثاني على التوالي، تتواصل مناشدات منظمات إنسانية محلية ودولية للحكومة العراقية باتخاذ موقف عاجل من الانتهاكات الفظيعة التي ترتكب داخل سجن التاجي العراقي، إلى الشمال من بغداد، ولعل أسوأها اضطرار بعض المساجين لشراء تُهم كي لا يبقوا مسجونين بدون محاكمات، خصوصا أن 65 في المائة من المعتقلين البالغ عددهم نحو 7 آلاف شخص، لم يخضعوا للمحاكمة بعد.

وأعلنت منظمة حقوقية عراقية يوم أمس الأحد 16/7/2017 عن حصولها على معلومات تشير إلى ارتفاع معدل الانتهاكات في السجن، مؤكدة أن السجن شهد أمس عقابا جماعيا تمثل في إخراج مئات النزلاء عراة إلى باحة السجن عدة ساعات تحت درجة حرارة تصل إلى 55 مئوية، ما أدى إلى وقوع حالات إغماء بين العشرات منهم، وإصابة آخرين بـ"ضربة شمس" خطرة.

وقال رئيس منظمة السلام لحقوق الإنسان، محمد علي، إن "وضع السجناء مزر، ووجهنا مناشدات للأمم المتحدة".

وأضاف لـ موقع "العربي الجديد"، أن "أي منظمة محلية عراقية عاجزة اليوم، والحكومة تخشى من المنظمات الغربية فقط"، لافتا إلى أن "القائمين على السجن يعرضون على من جاء إليهم من دون تهمة أن يشتري قضية ما ليحصل على محاكمة، وإن سعر القضايا المُباعة قد يصل إلى خمسين مليون دينار عراقي، وربما أكثر، بحسب المدة التي يرغب فيها السجين، لأن بقاء النزيل بدون قضية أو تهمة معينة يعني بقاءه إلى فترة لا يعلمها إلا الله، وربما يقتل في السجن، لذا يشتري تهمة ويحال للمحكمة، وكلما كانت التهمة بسيطة ارتفع سعرها".

إحدى المناشدات المسربة من أحد المعتقلين، الذي مضى على اعتقاله سبع سنوات، بعد أن بدأ زملاؤه يموتون أمام عينيه واحدا تلو الآخر، بسبب مرض السل والحرّ الشديد داخل الزنزانة، أكد فيها أنّ أحد السجناء قضى بعد يومين من الصراخ والاستغاثة، من جراء آلام حادة في بطنه، ولكن لم ترسل الإدارة طبيباً يهدئ من أوجاعه حتى مات.

ويقول صاحب المناشدة إن "حالة السجن لا تليق حتى بالحيوانات، وما يقدم لنا من طعام سيئ لا يسد الرمق، يأتي على أيام متفرقة، ونمضي يومين متتاليين أو ثلاثة نكابد الجوع، أمّا الماء فهو غير صحي ولم نعرف له برودة ولا عذوبة، والحر الشديد داخل السجن يجعلنا نتوسل من أجل الاستحمام، فلا نحصل عليه إلا بعد أسابيع بسبب الازدحام وكثرة المعتقلين".

أبو محمد، أخ المعتقل (ج. م)، أكد أن من يأتي لزيارتهم من ذويهم من النساء دون الرجال يتعرضْنَ للإهانة والمضايقات، بعد أن يقفن في طوابيرَ التفتيش أكثرَ من 3 ساعات من أجل زيارة لا تتجاوز مدتها ربع ساعة، مع وجود جنديين أثناء جلوس المعتقل مع أهله وذويه. ولا يسمح لهم بالزيارة إلا مرة واحدة في الشهر، ما جعل المعتقلين يعيشون حالة الانقطاع عن العالم الخارجي.

وتابع أبو محمد: "أشخاص ملثمون يدخلون على المعتقلين ليلاً ليبدأوا بضربهم حتى الصباح، علماً أن معتقلين كثر، ومن ضمنهم أخي، صدر أمر بالإفراج عنهم منذ أربعة أشهر، إلا أن السجّانين يؤخرون إخراجهم رغم الرشى التي يتلقونها"، مطالباً بتطبيق قانون العفو العام وإخراج المعتقلين الأبرياء المحكوم عليهم بتهم كيدية.

وتقول العضوة السابقة في المفوضية العليا لحقوق الإنسان، بشرى العبيدي، لـ"العربي الجديد"، إن "وزارة العدل لم تتعامل مع التقارير الخاصة بالانتهاكات التي يتعرض لها المعتقلون في السجون، ولم تتجاوب مع 1 في المائة من التقارير المرفوعة، ولم تراع حالات التعذيب غير المبرر أثناء التحقيق"، مبينة أن الوزارة تزج سجناء الجنوب في سجون في شمال العراق والعكس، ما يحول دون زيارة الكثير من الأهالي لأبنائهم المعتقلين، لأن الزيارة تحملهم أعباء إضافية، ناهيك عن التعامل السيئ والمضايقات التي يتعرضون لها أثناء الوقوف بانتظار دورهم للدخول، دون مظلات تقيهم حرارة الشمس ومطر الشتاء".

وسجن التاجي التابع لدائرة الإصلاح العراقي في وزارة العدل هو سجن للإيداع وليس للتحقيق، يتكون من 12 "جملونا" كلّ جملون يضم 20 قاعة، طاقة الاستيعاب القصوى 3840 معتقلا، لكن تعداد المعتقلين فيه هذا الأسبوع وصل إلى ما يقارب 7 آلاف معتقل، حسبما أفاد به مركز بغداد لحقوق الإنسان.

وأكد المحامي مهند العيساوي، مدير المركز أن "المعتقلين يعانون سوء المعاملة والإهمال الطبي، وقلة الغذاء، وسوء التهوية، والتزاحم داخل القاعات، من جراء الزج بأعداد تفوق الطاقة الاستيعابية بما يقارب الضعف، ما أدى إلى تفشي الأمراض الخطيرة، أبرزها السلّ والجرب".

وأضاف أنّ عددا من المعتقلين توفوا بسبب ذلك، كما ازدادت أعداد الوفيات منذ منتصف رمضان الماضي، مؤكداً رفض وزارة العدل الإعلان عن أعداد الوفيات في سجن التاجي وبقية السجون، رغم علم جميع السلطات العراقية.