رغم التشكيك المستمر والاتهامات بالرشوة التي تصِم التحكيم الأفريقي وتنال من سمعته، قضى الاتحاد الآسيوي على هذه الآفة المدمرة التي كان غارقا فيها أيضا حتى انتشله منها بعض المسؤولين الشرفاء.

وفجّرت اتهامات لاعب ومدرب الزمالك والمنتخب المصري السابق فاروق جعفر -الأسبوع الماضي- حكام كرة القدم الأفارقة بالرشوة، القضية الشائكة المسكوت عنها؛ فقضاة الملاعب في القارة السمراء يوصَمون بهذا الاتهام كثيرا مع كل مباراة تشهد أخطاء تحكيمية مؤثرة، وهي كثيرة.

 

ويقول الحكم الدولي السوري السابق حمدي القادري -للجزيرة نت- إن البطولات الآسيوية كانت حتى ثمانينيات القرن الماضي مرتعا للفساد ووقائع الرشوة "الفاضحة" التي لا تعد ولا تحصى، إلى أن تسلم العميد فاروق بوظو رئاسة لجنة الحكام بالاتحاد الآسيوي عام 1983، وبدأ حملة تطهير واسعة للتحكيم المنهار أخلاقيا بسبب الفساد، وسرعان ما نجح في القضاء على هذه الظاهرة بنسبة 99%، بمعاقبة الكثير من الحكام الذين ثبت تورطهم في الفساد والرشوة، ومعظمهم من وسط وشرق آسيا، وحذّر الاتحادات الأهلية من محاولة التأثير على الحكام بأي طريقة كانت.

 

ويضيف القادري -المحلل التحكيمي بقنوات الكأس القطرية- أن التحكيم في القارة سرعان ما حصد نتيجة التطهير التي قام بها بوظو، وبدأ الفيفا يعتمد على الحكام الآسيويين بشكل كبير، وتألق العديد منهم على مستوى كأس العالم والبطولات الدولية الكبرى على مدار عقدين من الزمان.

وأشار القادري إلى أنه بعد رحيل بوظو عن رئاسة لجنة الحكام الآسيوية في 2007، حدث نوع من التراخي بطريقة غير متعمدة في محاربة محاولات التأثير على الحكام، وحدثت بعض حالات الرشوة التحكيمية بأشكال وطرق مختلفة كانت آخرها قضية الحكام اللبنانيين المشهورة، مما دفع لجنة الحكام الجديدة للتصدي لها في ما عرف بالتطهير الثاني للتحكيم الآسيوي.

وتفجرت قضية الحكام اللبنانيين في أبريل/نيسان 2013، عندما ألقت الشرطة السنغافورية القبض على الحكم اللبناني علي صبّاغ بتهمة تلقي رشوة جنسية مقابل التلاعب بنتيجة مباراة في كأس الاتحاد الآسيوي بين تامبينز روفرز السنغافوري وإيست بنغال الهندي، لصالح رجل الأعمال السنغافوري إريك دينغ سي يانغ الذي تواصل معه عن طريق إرسال مقاطع يوتيوب له، ليقتدي بها في التلاعب بالنتيجة لصالح روفرز الذي خسر المباراة 4-2.

وتدارك الاتحاد الآسيوي الفضيحة بتغيير طاقم الحكام ليلة المباراة، واعترف الحكم بالواقعة خلال التحقيقات، وحكم عليه بالسجن 6 أشهر في سنغافورة، كما أدانت المحكمة مساعدَيه لكنها أخلت سبيلهما ورحّلتهما إلى لبنان.

ويعلق القادري على هذه الواقعة بأن لجنة الحكام الآسيوية كانت موفقة وحازمة في التصدي لهذه السلوكيات واتخذت إجراءات وقائية عديدة لعدم تكرارها، منها: عدم قبول الحكام أي هدايا من الفرق تحت أي اسم، وعدم تلبية الحكام أية دعوة خاصة للغداء أو العشاء أو حضور أي نشاط اجتماعي آخر، مع التأكيد على وضع حراسة شخصية في طابق غرف الحكام وفي مدخل الفندق، ومنع أي شخص له علاقة بالفرق المتنافسة من التواصل معهم أو زيارتهم.

 

كما شددت اللجنة على مراقبي ومقيمي الحكام للدراية الكاملة بكل تحركات الحكام خارج فندق الإقامة، ومرافقتهم سواء كان ذلك للتسوق أو التدريب أو التنزه.

وأكد القادري أن لجنة الحكام أصدرت تحذيرا حاسما بعدم مشاركة الحكام في المراهنات على نتائج المباريات حتى لو كانت خارج القارة الآسيوية، لأن من يقوم بالمراهنة اليوم يمكن أن تسوّل له نفسه غدا التلاعب في نتائج المباريات، مشيرا إلى أنه رافق هذه الإجراءات الحاسمة مضاعفة مكافآت وبدلات الحكام في المباريات والبطولات.

ورغم نجاح سياسة الاتحاد الآسيوي في القضاء على الرشوة تماما، فإنه لم يرحم أي حكم يرتكب أخطاء واضحة حتى عن غير تعمد، حتى يكون عبرة لمن تسول له نفسه تعمد الخطأ لصالح أي فريق. وفي 2014 وقّع الاتحاد الآسيوي عقوبة الإيقاف 6 أشهر على الحكم الدولي الياباني يويتشي نيشيمورا، بسبب أخطائه في المباراة النهائية لدوري أبطال آسيا بين الهلال السعودي وسيدني الأسترالي الذي توّج باللقب نتيجة أخطاء الحكم .

وساعد على حملة الاتحاد الآسيوي ضد الرشوة والفساد عدم وجود مراكز قوى كل همها الأصوات الانتخابية، حيث تناوب 5 رؤساء على الاتحاد خلال الفترة بين 1988 وحتى 2017، والتي ظل فيها عيسى حياتو رئيسا للاتحاد الأفريقي (كاف).

ويقول أحد مرافقي الحكام في المباريات والبطولات الآسيوية للجزيرة نت -ورفض ذكر اسمه- إنه يلحظ مدى التزام طاقم التحكيم بالتعليمات وخوفهم من ارتكاب أي شبهة قد تجعلهم عرضة للإيقاف مدى الحياة أو الشطب مثل الحكم اللبناني الذي قضى على مسيرته التحكيمية بتصرف طائش، مشيرا إلى عدم التزام الحكام الأفارقة الذين رافقهم في مباريات أو بطولات بتعليمات الاتحاد الآسيوي.

وكان الاتحاد الآسيوي يتبادل الحكام في بطولة كأس الأمم في القارتين (آسيا وأفريقيا)، لكن الاتفاقية توقفت دون إعلان الأسباب التي قد يكون منها السمعة الملوثة للتحكيم الأفريقي.